بيروت

صحيفة إلكترونية مستقلةإعلام لعصر جديد

اشترك في النشرة
عاجل
ترامب يحذر ثانية: سئمنا من إيران وقد نوجه ضربة قاسية لهاالجيش الاسرائيلي: العثور على عبوة ناسفة وأسلحة لحزب الله قبالة كفرشوباسابقة دبلوماسية.. السفير الأميركي في السفارة السورية بلبنان لهذا السبب!الخارجية الأميركية: حزب الله جرّ لبنان إلى الحرب بتهوّر انتحاري.. وأمواله من أنشطة إجراميةأمطار وبرقٌ ورعد... بدءًا من الغد! استعدّواتطمينات أميركية: لا توسعة للحرب على لبنان مقابل عدم توفير الذرائع لنتنياهوقداسة البابا لاوون مصاب بسرطان الرئة... هذا ما اعلنه الفاتيكان!مجلس الوزراء السعودي: ميليشيا الحوثي الإرهابية ستواجه عواقب جرائمهاجرسُ إنذارٍ...!حادث أمني عند الحدود مع لبنان سببه صاروخ للحزب.. هل تردّ اسرائيل؟!باسيل: كان لنا شرف المواجهة فكسب لبنان العدالة ولو منقوصةصور- 200 كلغ من المواد المتفجرة.. ماذا يحصل على الحدود مع سوريا؟
مقالات وأراء

من نوتردام إلى لورد… هل تُوقظ زيارة قداسة البابا إيمان أوروبا؟

ث
الثائر
3 دقائق قراءة
من نوتردام إلى لورد… هل تُوقظ زيارة قداسة البابا إيمان أوروبا؟
#الثائر


بقلم فادي غانم === خاص ===

إعلان
مساحة إعلانيةأعلن معنا في الثائر

حين دخل قداسة البابا لاوون الرابع عشر كاتدرائية نوتردام في باريس، بعد ترميمها من حريق عام 2019، حمل المشهد معنى يتجاوز العودة إلى صرح تاريخي. لقد نهضت حجارة الكاتدرائية من الرماد، لكن السؤال الذي تطرحه الزيارة أعمق: هل يستطيع قلب أوروبا أن يجدّد إيمانه ورجاءه أيضًا؟
لا يُقاس الإيمان بحجم الحشود وحده، غير أن التفاعل خلال اليومين الأولين من زيارة قداسة البابا إلى فرنسا، الممتدة من 25 إلى 28 أيلول 2026، يكشف عن عطش روحي حقيقي. فقد شارك نحو 80 ألف شاب وشابة في لقاء الصلاة بملعب فرنسا، فيما احتشد، وفق تقديرات إعلام الفاتيكان، نحو 700 ألف شخص في قداس ساحة الكونكورد بباريس. وراء هذه الأعداد أناس جاءوا للصلاة، وآخرون ليصغوا، وربما بعضهم ليعيد طرح أسئلة ظنّ أنه تركها خلفه.

جاءت رسالة قداسة البابا في باريس على أكثر من مستوى. ففي اليونسكو، تحدّث عن كرامة الإنسان ودور التعليم والعلم والثقافة في بناء السلام. وفي نوتردام، دعا الكنيسة الفرنسية إلى تجديد رسالتها. وبين الشباب، وضع الإصغاء إلى قلقهم وتطلعاتهم في قلب اللقاء. وفي ذلك تذكير بأن الإيمان لا يعيش بعيدًا عن أسئلة العصر؛ بل يضيء طريقة الإنسان في التعامل مع المعرفة، ومع الآخر، ومع ذاته.

يُقال كثيرًا إن أوروبا ابتعدت عن جذورها المسيحية. وفي هذا القول جانب من واقع شهدته مجتمعاتها، لكنّه لا يختصر قصتها الروحية. فالإيمان قد يضعف حضوره الاجتماعي من دون أن يغيب سؤال الله من النفوس. وقد سجّلت الكنيسة في فرنسا 13,234 معمودية للبالغين عام 2026، مقارنةً بـ4,124 عام 2016. لا تثبت هذه الأرقام عودة أوروبا كلها إلى الممارسة الدينية، لكنها تشير إلى أشخاص بدأوا رحلة إيمان عن اختيار، وإلى حاجة الكنيسة لمرافقتهم بعد لحظة الاحتفال بالمعمودية.

لهذا كان لقاء قداسة البابا بالمعمّدين حديثًا والموعوظين في باريس محطة ذات دلالة خاصة. فالإيمان الذي يولد من سؤال شخصي يحتاج إلى جماعة تستقبله، وتعليم يغذّيه، وخبرة صلاة تمنحه الجذور. تستطيع زيارة رسولية أن توقظ القلب؛ أما نمو ما أُيقظ فيه فيحتاج إلى حضور يومي صبور. هنا تبدأ مسؤولية الرعايا والمؤمنين بعد انتهاء الزيارة.
وللإيمان وجه آخر لا يقل وضوحًا في برنامج الزيارة: وجه الرحمة. ففي زيارته مركز «ميزون باخيتا»، الذي يساند المهاجرين واللاجئين، أعاد قداسة البابا الاهتمام إلى الإنسان الذي يبحث عن الأمان ومكان ينتمي إليه. إن محبة القريب لا تبقى تعبيرًا روحيًا مجردًا حين تصبح استقبالًا وخدمةً وحفظًا لكرامة من يعيش الغربة والضعف. وهذه شهادة تحتاجها أوروبا كما يحتاجها عالمنا المشرقي.

لكن الحديث عن تجدد الإيمان يقتضي أيضًا شجاعة النظر إلى جراح الكنيسة. لقد أضرّت الاعتداءات التي شهدتها فرنسا بالضحايا وبثقة كثيرين. ولا تستطيع الصلاة الجماعية، مهما بلغت قوتها، أن تحل محل الإصغاء والإنصاف والمحاسبة وحماية الأطفال والمستضعفين. ومن المقرر أن يلتقي قداسة البابا ناجين من الاعتداءات في لورد؛ وستكون لهذه الخطوة قيمة أعمق كلما تبعتها أفعال ثابتة تصون كرامتهم وتمنع تكرار ما أصابهم.

هل ستُحيي زيارة قداسة البابا الإيمان الأوروبي؟ يصعب أن تُغيّر أربعة أيام وحدها مسار قارة. لكنّها تستطيع أن تكون بداية روحية لمن يبحث، ودعوة إلى التوبة والتجدد لمن يؤمن، وحافزًا للكنيسة كي تقترب أكثر من الناس. فالإيمان لا يتجدد بالحنين إلى الماضي، بل بلقاء حيّ يثمر صلاةً ورجاءً وخدمةً ومصالحة.

وما زالت أمام الزيارة محطتان بالغتا الدلالة: لورد، بما تحمله في وجدان المؤمنين من صلاة ورجاء وقرب من المرضى والمتألمين، ثم مِتز، حيث يُنتظر أن تتناول الرسالة البابوية السلام ووحدة أوروبا. لذلك لا يمكن إعلان نتائج نهائية لرحلة لم تكتمل بعد. غير أن معيار أثرها بات واضحًا: ما الذي سيبقى في حياة الناس بعدما تنتهي المراسم وتغادر الحشود؟
من لبنان، حيث نعرف قيمة الإيمان حين يشتد الألم، أرى في هذه الزيارة دعوة تتجاوز فرنسا. إن العالم الذي تتنازعه الحروب والخوف والعزلة يحتاج إلى صوت يذكّره بأن السلام يبدأ من كرامة كل إنسان، وأن الرجاء لا يعني تجاهل الجراح، بل الإيمان بإمكان شفائها والعمل من أجل ذلك.

قد تنتهي زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا في الثامن والعشرين من أيلول، لكن ثمرتها الأعمق لن تُقاس في ذلك اليوم. ستظهر حين يجد شاب طريقًا إلى الصلاة، ومتألمٌ من يصغي إليه، ومهاجرٌ من يستقبله، ومؤمنٌ شجاعةً ليخدم ويصالح. فإذا أضاءت الزيارة هذه الطرق في القلوب، تكون قد منحت أوروبا أكثر من ذكرى عظيمة: تكون قد فتحت أمامها باب رجاء.
إعلان
مساحة إعلانيةأعلن معنا في الثائر

قرّاء الثائر يتصفّحون الآن