بيروت

صحيفة إلكترونية مستقلةإعلام لعصر جديد

اشترك في النشرة
عاجل
ترامب يحذر ثانية: سئمنا من إيران وقد نوجه ضربة قاسية لهاالجيش الاسرائيلي: العثور على عبوة ناسفة وأسلحة لحزب الله قبالة كفرشوباسابقة دبلوماسية.. السفير الأميركي في السفارة السورية بلبنان لهذا السبب!الخارجية الأميركية: حزب الله جرّ لبنان إلى الحرب بتهوّر انتحاري.. وأمواله من أنشطة إجراميةأمطار وبرقٌ ورعد... بدءًا من الغد! استعدّواتطمينات أميركية: لا توسعة للحرب على لبنان مقابل عدم توفير الذرائع لنتنياهوقداسة البابا لاوون مصاب بسرطان الرئة... هذا ما اعلنه الفاتيكان!مجلس الوزراء السعودي: ميليشيا الحوثي الإرهابية ستواجه عواقب جرائمهاجرسُ إنذارٍ...!حادث أمني عند الحدود مع لبنان سببه صاروخ للحزب.. هل تردّ اسرائيل؟!باسيل: كان لنا شرف المواجهة فكسب لبنان العدالة ولو منقوصةصور- 200 كلغ من المواد المتفجرة.. ماذا يحصل على الحدود مع سوريا؟
مقالات وأراء

قراءة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

حين سمّى الملك عبدﷲ الثاني الأشياء بأسمائها

ث
الثائر
4 دقائق قراءة
حين سمّى الملك عبدﷲ الثاني الأشياء بأسمائها
#الثائر


بقلم فادي غانم -

لا أكتب في السياسة عادةً. أجد نفسي أقرب إلى قضايا البيئة والزراعة والتنمية، إلى الأرض التي يعمل فيها الناس، والمياه التي ينتظرونها، والقرى التي يحاول أهلها أن يصنعوا فيها مستقبلًا لأبنائهم. لكن خطاب جلالة الملك عبدﷲ الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 22 أيلول 2026، أوقفني طويلًا. فقد ذكّرني بأن هذه القضايا لا تعيش خارج السياسة: حين يُقتلع الإنسان من أرضه، أو تُهدَّد موارده، أو يُترك لمواجهة الخوف وحده، تصبح البيئة والتنمية والأمن والعدالة وجوهًا لمسألة واحدة هي حق الإنسان في أن يعيش بكرامة في وطنه.
استوقفتني نبرة الملك العالية. لم أسمع فيها رغبة في التصعيد، بل نفاد صبرٍ من عالمٍ يرى ما يحدث، ويملك لغةً لوصفه، ثم يتردد في اتخاذ موقف منه. كان الخطاب مواجهة مع خطرٍ يتسلّل إلى وعينا قبل أن يرسخ على الأرض: أن نعتاد المأساة. أن تصبح صور النزوح خبرًا متكررًا، والاعتداءات أرقامًا تُضاف إلى أرقام، والقرارات الدولية أوراقًا تنتظر قرارًا آخر. لذلك لم يكن سؤال الملك عن قيمة القانون الدولي، إذا أمكن تجاهل انتهاكاته لعقود، سؤالًا بلاغيًا. كان سؤالًا عن مصداقية النظام الدولي نفسه، وعن الثقة التي يفقدها الناس كلما رأوا القانون يُطبَّق في مكان ويُعلَّق في مكان آخر.

إعلان
مساحة إعلانيةأعلن معنا في الثائر
لطالما أعجبتني في جلالة الملك عبدﷲ الثاني قدرته على الجمع بين اتزان الدولة ووضوح الموقف. وفي هذا الخطاب تحديدًا، أعجبتني شجاعته في تسمية الأشياء بأسمائها. لم يقبل أن تتحول مصادرة الأرض إلى إجراء إداري، أو أن يُغطّى تهجير الناس بمفردات أمنية، أو أن تُقدَّم الوقائع المفروضة بالقوة كأنها تطورات عابرة. وفي قراءته لما يجري في غزة والضفة الغربية، لم يترك كل مأساة معزولة عن الأخرى؛ بل حذّر من مسار يدمّر إمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

للكلمات هنا وزن يتجاوز الخطابة. فعندما يتغير اسم الفعل، تتغير طريقة النظر إليه؛ وعندما تصبح الانتهاكات مألوفة في اللغة، يضعف الإلحاح على وقفها في الواقع. من هنا، كانت صراحة الملك فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. لقد أعاد إلى الكلمات معناها في لحظة يكثر فيها استعمال التعابير التي تُخفي أكثر مما تكشف.
هل كان خطابه تحذيرًا مما قد تشهده المنطقة؟ نعم، في تقديري؛ لكنه تحذير من اتجاه واضح، لا تنبؤ بحرب محددة. فقد انتقل من فلسطين إلى سوريا، وتحدث عن التوغلات وفرض الوقائع على الأرض، وأعلن بوضوح أن تهديد حدود الأردن الشمالية أو أمنه المائي تهديد لأمنه الوطني. وذكر لبنان في سياق حديثه عن النزاعات الممتدة من لبنان إلى اليمن مرورًا بالسودان، وما تُخلّفه من معاناة إنسانية. لم يُفرد لبنان بموقف مستقل، لكن إدراجه في هذا المشهد الواسع يذكّرنا بأن أزمات المنطقة لا تُقرأ في جزر منفصلة، وأن إهمال إحداها لا يحمي الآخرين من آثارها.

ثم جاءت العبارة التي لامستني بعمق: «نحن نحمي المسيحية – مجتمعاتها وإرثها – في موطنها الأصلي والتاريخي، بينما ندافع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية».
توقفت عندها لأن المسيحيين في المشرق ليسوا ضيوفًا على هذه الأرض، ولا بقايا ماضٍ نحتفي بآثاره بعد رحيل أهله. إنهم متجذرون فيها؛ في مدنها وقراها، في لغاتها وثقافتها، في مدارسها ومستشفياتها وحقولها، وفي تاريخٍ صنعوه جنبًا إلى جنب مع إخوتهم المسلمين. من هنا نشأت المسيحية، وهنا بقيت جماعاتها حيّة عبر القرون. وحماية هذا الحضور تعني أن يبقى المسيحيون قادرين على العيش والعمل والعبادة وبناء مستقبل أبنائهم في أرضهم، لا أن يُختزل وجودهم في كنيسة تُرمَّم أو معلمٍ يُزار.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية هو دفاع عن تاريخٍ طويل من الجوار والعيش المشترك، وعن ملايين المؤمنين الذين لا تمثلهم لغة التحريض والتطرف. وضع الملك هاتين المسؤوليتين في جملة واحدة، فأصاب جوهر المسألة: لا يُصان حضور المسيحيين بإثارة الخوف من المسلمين، ولا تُدافع كرامة المسلمين بتجاهل ما يصيب شركاءهم في الأرض والمصير. لقد بنى أبناء المشرق، على اختلاف أديانهم، مجتمعاتهم معًا؛ وما يهدد حق أحدهم في البقاء يهدد مستقبلهم جميعًا.
لذلك كان مهمًا أن يرفض الملك تصوير الصراع في فلسطين مواجهةً بين الأديان. فالفلسطينيون، مسلمين ومسيحيين، يواجهون مسألة حقوق وأرض وحرية. وحين نراهم جميعًا أصحاب حق متساوٍ، نحمي كذلك حقيقة المشرق: أرضًا تتسع لجذور أبنائها جميعًا، ويظل العدل فيها الضمانة الأصدق لبقائهم معًا.

وأنا، كلبناني، أشعر بعمق هذا المعنى. ففي بلادنا نعرف أن القرية أكثر من بيوت متجاورة، وأن الأرض أكثر من مساحة على خريطة. في كل قرية ذاكرة عائلات، ووجوه جيران، وأجراس ومآذن، وحقول حملت تعب أجيال متعاقبة. لذلك فإن بقاء الناس في أرضهم يحفظ حياةً مشتركة لا يمكن استعادتها إذا تفرّق أهلها. وحين يتحدث جلالة الملك عن حماية المجتمعات المسيحية في موطنها التاريخي، وعن الدفاع عن الإسلام في وجه الكراهية، أسمع موقفًا يمثّلني: أن يبقى المشرق بيتًا لأبنائه جميعًا، وأن يجد كل منهم في كرامة أخيه سندًا لكرامته هو.
ولعل ما منح خطاب الملك قوته أنه لم يترك هذه القيم معلّقة في الهواء. فقد ربطها بحقوق الفلسطينيين وصمودهم، وبالمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وبضرورة أن يتحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته بدل الاكتفاء بتكرار المواقف. ومع كل ما حملته كلماته من غضب مشروع وإلحاح، ظلّ السلام العادل حاضرًا فيها. وهذا، في نظري، معنى المسؤولية الحقيقية: أن تتمسك بإمكان السلام، وأن تكون صريحًا في مواجهة ما يحول دون تحقيقه.

خرجت من الاستماع إلى جلالة الملك عبدﷲ الثاني بإعجاب أكبر بقائد يعرف حجم المخاطر، ويملك الشجاعة ليخاطب العالم بلغتها الواضحة. وأنا، كلبناني، يمثّلني هذا الموقف. يمثّلني أن ندافع عن حق الناس في أرضهم، وعن حضور المسيحيين والمسلمين المتجذر في المشرق، وعن القدس بكل ما تحمله من معنى لأهلها وللمؤمنين بها. ويمثّلني أن نرفض أن يصبح تهجير العائلات، وفقدان الأمان، وضياع المستقبل مشاهد مألوفة نعبرها ثم نواصل حياتنا.

لقد ذكّرنا الملك بأن انتباه العالم قرار، وأن تجاهله قرار أيضًا. وبين القرارين تُصان حقوق، أو تُترك شعوب كاملة لتدفع ثمن الصمت. والسؤال الذي أراه باقياً بعد خطابه هو: هل نملك الشجاعة لنسمّي ما نراه، والإرادة لنتصرف على أساس ما نعرف؟
إعلان
مساحة إعلانيةأعلن معنا في الثائر

قرّاء الثائر يتصفّحون الآن