بلد العجائب . الدولة تعاقب كل مواطن قرر الأستغناء عن اشتراك المولد

#الثائر
- كتب محمد العربي -
في بلد الأرز والجمال، حيثُ تُعتبر الكهرباء الرسمية زائرًا غريبًا يطلّ علينا ساعة في الأسبوع بالخطأ، خَرجت علينا الدولة الكريمة بقوانين وتنظيمات أقل ما يُقال عنها أنها تحفة فنية في البيروقراطية والتجلي السريالي. ولتطرق باب هذه السريالية اللبنانية بأبهى صورها، ما عليك سوى المقارنة بين مشهدين؛ الأول لمواطن قرر الاستثمار في "مولد كهربائي " ، يضعه تحت شباك جاره لينفث دخانه الأسود إلى الرئات الصافية ويكوي آذان المنطقة بزئيره طوال الليل، فيتحول بقدرة قادر إلى "بطل قومي" لا يسأله أحد ولا تلتفت إليه بلدية أو وزارة ، أما المواطن الآخر فقرر التعامل مع الشمس ،( المادة الخام الوحيدة التي لم تنجح الدولة حتى الآن في وضع عدّاد عليها ) ليضع لوحين طاقة شمسية على سطح منزله لإضاءة لمبة أو إشغّال مروحة، وهنا تحديدًا تستفيق الدولة من غيبوبتها الحالمة، وتُدق طبول النخوة والحرص المفاجئ على السلامة العامة والجمالية العمرانية، ليتحول هذا اللوح الأزرق المسالم فورًا إلى "منشأة استراتيجية معقدة" تتطلب معاملات أطول من اتفاقيات السلام الدولية.
في بلد الأرز والجمال، حيثُ تُعتبر الكهرباء الرسمية زائرًا غريبًا يطلّ علينا ساعة في الأسبوع بالخطأ، خَرجت علينا الدولة الكريمة بقوانين وتنظيمات أقل ما يُقال عنها أنها تحفة فنية في البيروقراطية والتجلي السريالي. ولتطرق باب هذه السريالية اللبنانية بأبهى صورها، ما عليك سوى المقارنة بين مشهدين؛ الأول لمواطن قرر الاستثمار في "مولد كهربائي " ، يضعه تحت شباك جاره لينفث دخانه الأسود إلى الرئات الصافية ويكوي آذان المنطقة بزئيره طوال الليل، فيتحول بقدرة قادر إلى "بطل قومي" لا يسأله أحد ولا تلتفت إليه بلدية أو وزارة ، أما المواطن الآخر فقرر التعامل مع الشمس ،( المادة الخام الوحيدة التي لم تنجح الدولة حتى الآن في وضع عدّاد عليها ) ليضع لوحين طاقة شمسية على سطح منزله لإضاءة لمبة أو إشغّال مروحة، وهنا تحديدًا تستفيق الدولة من غيبوبتها الحالمة، وتُدق طبول النخوة والحرص المفاجئ على السلامة العامة والجمالية العمرانية، ليتحول هذا اللوح الأزرق المسالم فورًا إلى "منشأة استراتيجية معقدة" تتطلب معاملات أطول من اتفاقيات السلام الدولية.
لتخوض رحلة "الجلجلة" البيروقراطية هذه لتركيب لوحك الموعود، عليك أن تبدأ بطلب للبلدية مرفق بتقرير هندسي مختوم من نقابة المهندسين للتأكد من أن السطح لن ينهار تحت وزن قطعة ألومنيوم لا تتعدى العشرين كيلو، ثم تمر بموافقة التنظيم المدني ليضمنوا أن اللوح لا يحجب الرؤية عن الطائرات النفاثة أو يسيء للنسيج العمراني التاريخي لبنايتك المطلية بالنشور، ولا تنسَ موافقة وزارة البيئة لمعرفة ما إذا كانت الأشعة المرتدة ستزعج طيور البجع المهاجرة، لتصل أخيرًا إلى كاتب العدل لتوقع تعهدًا تتعهد فيه بعدم استخدام الطاقة الشمسية لإعادة إحياء العصر الحجري أو تخصيب اليورانيوم، كُل هذا قبل نيل بركة موافقة وزارة الداخلية لحمايتك من نفسك ومن الشمس.
والنكتة الكبرى تكمن في رحلة الضرائب والرسوم؛ فهذه الألواح حين عبرت المرفأ دفعت جمركًا ورسومًا وتأمينًا وتحسين مرافئ، وحين دخل الحديد للتركيب شبعت الدولة ضريبة قيمة مضافة وجمركًا، والقصة نفسها تكررت مع الكابلات والإنفرتر، لكن الدولة بعينها الساهرة وضميرها الحي ترغب في أن "تتبارك" منك مرة أخرى لأنك تجرأت واستخدمت ضوء الشمس المار فوق أراضيها، وكأن الشعاع أصلًا ملكية عامة تستوجب "رسوم إشغال شعاعي". إنها العبقرية اللبنانية الفذة: تلوّث الجو بمولد ديزل فتصبح في حماية الواقع والقانون، أما إن فكرت في توليد كهرباء نظيفة من السماء، فوقع مئة ورقة وورقة، وادفع للنقابة والمهندس والبلدية، وتوسّل للوزارات، وقد يأتيك الرد في النهاية بأن "السطح غير مطابق للشروط الصافية"! ولذا، عزيزي المواطن، إن أردت تركيب طاقة شمسية اليوم، فأنت لا تحتاج لمهندس ولا لإنفرتر بقدر حاجتك لصبر أيوب، وواسطة عند كاتب العدل، وحقيبة محشوة بالأوراق والتواقيع، وقليل من الحظ كي لا تطالبك الدولة مستقبلاً بضريبة على الهواء الذي تتنفسه وأنت تضبط الزاوية مع الشمس.
والنكتة الكبرى تكمن في رحلة الضرائب والرسوم؛ فهذه الألواح حين عبرت المرفأ دفعت جمركًا ورسومًا وتأمينًا وتحسين مرافئ، وحين دخل الحديد للتركيب شبعت الدولة ضريبة قيمة مضافة وجمركًا، والقصة نفسها تكررت مع الكابلات والإنفرتر، لكن الدولة بعينها الساهرة وضميرها الحي ترغب في أن "تتبارك" منك مرة أخرى لأنك تجرأت واستخدمت ضوء الشمس المار فوق أراضيها، وكأن الشعاع أصلًا ملكية عامة تستوجب "رسوم إشغال شعاعي". إنها العبقرية اللبنانية الفذة: تلوّث الجو بمولد ديزل فتصبح في حماية الواقع والقانون، أما إن فكرت في توليد كهرباء نظيفة من السماء، فوقع مئة ورقة وورقة، وادفع للنقابة والمهندس والبلدية، وتوسّل للوزارات، وقد يأتيك الرد في النهاية بأن "السطح غير مطابق للشروط الصافية"! ولذا، عزيزي المواطن، إن أردت تركيب طاقة شمسية اليوم، فأنت لا تحتاج لمهندس ولا لإنفرتر بقدر حاجتك لصبر أيوب، وواسطة عند كاتب العدل، وحقيبة محشوة بالأوراق والتواقيع، وقليل من الحظ كي لا تطالبك الدولة مستقبلاً بضريبة على الهواء الذي تتنفسه وأنت تضبط الزاوية مع الشمس.
تابع الثائر أينما كنتآخر الأخبار العاجلة تصلك أولًا بأول







