| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
ليست تلة "علي الطاهر" مجرد ارتفاع جغرافي يراوح بين 500 و600 متر عن سطح البحر، ولا هي مجرد نقطة صخرية تعلوها أشجار السنديان على تخوم النبطية؛ إنها في قاموس العسكر والميدان "العقدة والحل"، وفي وجدان أهل الجنوب "حارس البوابة" نحو إقليم التفاح والجبل.
منذ عقود، وعلى تداخل التضاريس بين سهول النبطية وارتفاعات الريحان، فرضت هذه التلة حضورها في كل جولة مواجهة، لتعود اليوم وتتصدر المشهد الميداني والسياسي بوصفها "أم المعارك" التي تختصر موازين السيطرة النارية والصراع على رأس القرارات الاستراتيجية.
تكمن الأهمية الاستراتيجية للتلة في موقعها المتمتع بشرط "الإشراف البصري والناري المباشر"؛ فمن يحوز السيطرة على هذا المرتفع، يحوز قدرة رصد مكشوفة لقلب مدينة النبطية وقراها الممتدة من كفرتبنيت وأرنون وصولاً إلى زوطر وشرايين التواصل نحو نهر الليطاني. وفي ظل حرب الرصد الحديثة والمسيّرات، لم تفقد التلة قيمتها التكتيكية بل تضاعفت؛ إذ تشكل الساتر الجغرافي الأول وخط الدفاع الانتقالي الذي يفصل الحافة الأمامية للجنوب عن عمق خطوطه في إقليم التفاح وجبال الريحان. السيطرة عليها أو تحييدها يعني كشف محاور الحركة وتجريد المنطقة من نسقها الدفاعي المتقدم.
غير أن معركة "علي الطاهر" تتجاوز أبعادها العسكرية لتلامس أهدافاً سياسية بالغة الأهمية. ففي عقيدة بنيامين نتنياهو السياسية، لطالما كانت المكاسب الميدانية تتحول إلى "ورقة ضغط" وحجم تصويتي في صندوق الاقتراع. إن التركيز الإسرائيلي المكثف على هذه التلة لا يستهدف فقط تجريد المنطقة من نقاط الرصد وسحق دفاعاتها التكتيكية، بل يسعى نتنياهو من خلاله إلى تقديم "صورة نصر" للشارع الإسرائيلي ولجمهور الشمال على وجه الخصوص. ففرض واقع جغرافي جديد بإعادة الاستيلاء على نقاط حاكمة يُسوَّغ داخلياً على أنه إنجاز أمني يُحقق العودة والأمان للمستوطنات، وفي الوقت نفسه يُوظَّف لترحيل أزماته السياسية والقضائية المتلاحقة وتجاوز ضغوط المعارضة عبر رفع شعار "فرض السيطرة المطلقة".
وفي المقابل، تشكل التلة بالنسبة لحزب الله خط الدفاع الحيوي الذي يمنع الاستكشاف المباشر للحاضنة الشعبية وخطوط الإمداد بين القطاعين الأوسط والشرقي. النصر في هذه المعركة يعيد الامل ولو قليلا" الى جمهور المقاومة. ورغم أن مقاتلي الحزب يخوضون المعركة ببسالة ميدانية ضارية دفاعاً عن صخور هذه التلة وعمقها الاستراتيجي، إلا أن معطيات الواقع الميداني الاختلالية – المتمثلة بالتفوق الجوي الكاسح، والكثافة النارية الذكية، ومقومات الرصد الحديثة – لا تبدو في صالحهم هذه المرة.
إن التطورات المتلاحقة تثبت أن الجغرافيا لا تُقاس بالشجاعة والقدرة على التشبث بالأرض فحسب، بل بمعادلات الميدان والتفوق التكنولوجي الحاسم؛ وتلة "علي الطاهر" تعكس اليوم هذه المعادلة القاسية بكل تفاصيلها الميدانية والسياسية.