| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
- " فادي غانم "
في الأوطان التي تواجه الأزمات، يبرز نوعان من الرجال: أولئك الذين يكتفون بمراقبة الأحداث، وأولئك الذين يصنعون الفرق بصمت. وفي لبنان، حيث تتشابك التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والأمنية، يبرز الدكتور شادي عبدالله كواحد من الوجوه العلمية والوطنية التي اختارت أن تجعل من المعرفة أداةً للصمود، ومن البحث العلمي ركيزةً لخدمة الوطن.
قد لا يكون اسمه من الأسماء التي تتصدر المشهد الإعلامي يومياً، لكنه من الشخصيات التي تقف خلف الكثير من الإنجازات العلمية والوطنية التي راكمها المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان خلال السنوات الأخيرة. ومن موقعه كأمين عام للمجلس، نجح في قيادة مؤسسة وطنية عريقة وسط ظروف استثنائية، محافظاً على دورها العلمي والبحثي، ومطوّراً رسالتها لتصبح أكثر التصاقاً بحاجات الدولة والمجتمع.
لم يعد البحث العلمي اليوم ترفاً أكاديمياً أو نشاطاً محصوراً في المختبرات والجامعات، بل أصبح عنصراً أساسياً في بناء السياسات العامة وإدارة الأزمات وصناعة المستقبل. وهذه القناعة كانت حاضرة بوضوح في رؤية الدكتور شادي عبدالله، الذي عمل على تعزيز حضور المجلس الوطني للبحوث العلمية كمؤسسة مرجعية وطنية تنتج المعرفة وتوفر البيانات العلمية الدقيقة وتدعم صانعي القرار في مختلف القطاعات.
وخلال السنوات الماضية، برز المجلس الوطني للبحوث العلمية كمنصة وطنية للعلم والمعرفة، سواء في مجالات البيئة والتغير المناخي والموارد الطبيعية والبحوث البحرية، أو في مجالات إدارة المخاطر والكوارث والإنذار المبكر والاستشعار عن بعد. وقد لعب الدكتور عبدالله دوراً محورياً في تطوير هذه البرامج وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية التي مكّنت لبنان من مواصلة حضوره العلمي رغم الظروف الصعبة.
ولعل من أبرز النماذج على هذا الدور الوطني ما يقوم به المجلس الوطني للبحوث العلمية من خلال المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر في توثيق ورصد تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. ففي زمن الحرب، لم يكتفِ المجلس بتسجيل الوقائع، بل عمل على بناء قاعدة بيانات علمية مكانية وزمنية متكاملة توثق الأضرار البشرية والاقتصادية والبيئية، وتوفر مرجعاً علمياً دقيقاً يمكن الاستناد إليه في تقييم الخسائر، والتخطيط للتعافي، وإرساء أسس المساءلة مستقبلاً.
هذا العمل النوعي لم يمرّ من دون اهتمام دولي. فقد سلطت صحيفة "لوموند" الفرنسية الضوء على الجهود التي يقودها المجلس في هذا المجال، في إشارة واضحة إلى المستوى المتقدم الذي بلغته المؤسسات البحثية اللبنانية في إنتاج المعرفة وتوثيق الأزمات وفق أعلى المعايير العلمية. وهو اعتراف لا يكرّم مؤسسة بعينها فحسب، بل يؤكد أن لبنان ما زال يمتلك طاقات علمية قادرة على المنافسة والإبداع رغم كل الظروف.
وما يميز الدكتور شادي عبدالله أنه لا ينظر إلى العلم كغاية بحد ذاته، بل كوسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع. لذلك نراه حاضراً في المؤتمرات العلمية الدولية، وفي الاجتماعات الحكومية والإحاطات الرسمية، وفي المبادرات الوطنية التي تتناول الأمن الغذائي والموارد الطبيعية والتنمية المستدامة وإدارة المخاطر. وهو يدافع باستمرار عن فكرة أساسية مفادها أن القرارات الرشيدة لا يمكن أن تقوم إلا على الأدلة العلمية والمعرفة الدقيقة.
لقد ساهم في تعزيز مكانة المجلس الوطني للبحوث العلمية كشريك أساسي للوزارات والمؤسسات العامة والجامعات والمنظمات الدولية، وعمل على دعم الباحثين الشباب وتطوير القدرات الوطنية وتشجيع الابتكار وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع والدولة. وهي مهمة ليست سهلة في بلد يواجه تحديات مالية ومؤسساتية كبيرة، لكنها تعكس إيماناً راسخاً بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالعلم.
وأعترف هنا أن الكتابة عن الدكتور شادي عبدالله ليست مجرد كتابة عن مسؤول علمي ناجح أو عن أمين عام لمؤسسة وطنية عريقة، بل هي أيضاً كتابة عن صديق أعرفه عن قرب. صديق جمعتني به سنوات من العمل والحوار والتعاون، واكتشفت فيه الإنسان نفسه الذي يعكسه موقعه المهني: متواضعاً، هادئاً، صادقاً، ومؤمناً بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للآخرين وللوطن.
لكن الصداقة وحدها لا تصنع هذا التقدير. فما يدفعني إلى الكتابة عنه اليوم هو ما يمثله من نموذج نادر في الحياة العامة اللبنانية؛ نموذج يجمع بين العلم والأخلاق، وبين الكفاءة والتواضع، وبين الرؤية والالتزام. فهو لا يسعى إلى الأضواء، بل يفضّل أن تتحدث الإنجازات عن أصحابها، وأن تترك النتائج أثرها في المؤسسات والمجتمع.
وفي زمن تكثر فيه الضوضاء وتقل فيه النماذج الملهمة، يبقى شادي عبدالله واحداً من تلك الخامات الإنسانية الراقية التي تمنحنا الثقة بأن لبنان ما زال قادراً على إنجاب رجال دولة وعلم ومؤسسات. من أولئك الأشخاص الذين يختصرهم اللبنانيون بعبارة بسيطة وعميقة في آن: "من الأوادم".
تحية للدكتور شادي عبدالله، وتحية لكل الباحثين والعاملين في المجلس الوطني للبحوث العلمية، الذين يواصلون العمل بصمت وإخلاص من أجل إنتاج المعرفة وخدمة الحقيقة وصون المصلحة الوطنية.
ففي زمن الأزمات، قد تصنع السياسة حدثاً عابراً، لكن العلم وحده يصنع مستقبلاً. وشادي عبدالله هو واحد من أولئك الذين اختاروا أن يبنوا هذا المستقبل حجراً فوق حجر، ومعرفة فوق معرفة، وإيماناً فوق إيمان بلبنان الذي يستحق أن نعمل من أجله دائماً.