| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
- " فادي غانم "
كلما تقدّمت في العمر، ازددت اقتناعاً بأن أصعب معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع نفسه؛ مع خوفه من الخسارة، ورغبته في القبول، وحاجته لأن يكون محبوباً من الجميع.
لكن الحياة تعلّمنا، عاجلاً أم آجلاً، أن من يحاول إرضاء الجميع يخسر نفسه أولاً.
لم أتعلم من تجاربي أن أكون أكثر شعبية، بل أن أكون أكثر صدقاً. ولم أتعلم أن أقول ما يريد الناس سماعه، بل أن أقول ما أعتقد أنه حق، حتى عندما يكون الثمن مرتفعاً. فالإنسان لا يُختبر عندما يكون الجميع إلى جانبه، بل عندما يجد نفسه وحيداً أمام قناعة يؤمن بها، فيختار أن يتمسك بها رغم الضجيج.
كثيرون يخلطون بين الانتماء والطاعة العمياء، وبين الوفاء والصمت، وبين الحكمة والتنازل. أما أنا، فقد آمنت دائماً بأن الانتماء الحقيقي لا يكون بإخفاء الأخطاء، بل بالسعي إلى تصحيحها، ولا يكون بترديد ما يقوله الجميع، بل بامتلاك الشجاعة لقول ما يجب أن يُقال عندما يصمت الجميع.
لقد أخطأت في حياتي، وسأخطئ مجدداً، لأن الخطأ جزء من طبيعة البشر. فالذي يعمل يخطئ، والذي يجتهد يتعثر، والذي يحاول أن يصنع فرقاً يواجه أحياناً خيارات صعبة وقرارات غير مثالية. لكنني لم أخجل يوماً من الاعتراف بخطأ اكتشفته، ولم أعتبر الاعتذار انتقاصاً من الكرامة، بل تعبيراً عنها.
فالاعتذار لا يصدر عن الضعفاء، بل عن أولئك الذين يمتلكون شجاعة مواجهة ذواتهم. والتعلم لا يكون لمن يظن أنه يعرف كل شيء، بل لمن يدرك أن المعرفة رحلة لا تنتهي.
لهذا سأبقى كما أنا؛ أتعلم أكثر مما أُعلّم، وأستمع أكثر مما أتكلم، وأراجع نفسي قبل أن أراجع الآخرين، وأبحث عن الحقيقة قبل أن أبحث عن الانتصار.
لقد منح الله كل إنسان وزنات خاصة به؛ قدرات ومواهب وفرصاً ومساحات للتأثير. وبعض الناس يدفنون هذه الوزنات خوفاً من الفشل أو من النقد، بينما يختار آخرون استثمارها في خدمة قضية أو مجتمع أو فكرة يؤمنون بها.
أما أنا، فسأبقى مؤمناً بأن أعظم أشكال الامتنان للخالق هو أن نحسن استخدام ما وهبنا إياه. سأواصل الاتجار بالوزنات التي منحني الله إياها، لا سعياً وراء مجد شخصي أو مكانة عابرة، بل وفاءً للأمانة التي وُضعت بين يدي. فالعطاء ليس خياراً عندما يمتلك الإنسان القدرة على العطاء، بل مسؤولية.
ومع الوقت، تعلمت أيضاً أن الرفقة ليست عدداً. ليست صوراً مشتركة ولا كلمات مجاملة. الرفقة الحقيقية هي تلك التي ترتقي بالإنسان، وتدفعه نحو الأفضل، وتبقى إلى جانبه عندما يصبح الموقف أصعب من المصلحة.
أما الرفقة الهزيلة، التي تتغير بتغير الظروف، وتقترب عندما تكون المكاسب قريبة وتبتعد عندما تشتد الرياح، فهي عبء أكثر منها سنداً. لذلك لم أعد أخشى خسارة من لا يرى في العلاقة سوى منفعة مؤقتة، لأن ما يُبنى على المصالح ينهار بانتهائها.
لقد أدركت أن الحياة ليست سباقاً نحو الأضواء، بل رحلة بحث عن المعنى. وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المناصب ولا بحجم التصفيق، بل بقدرة الإنسان على أن يبقى وفياً لنفسه عندما تتغير كل الأشياء من حوله.
الحياة وقفة عز.
هي أن تنام مرتاح الضمير حتى لو أزعجت الحقيقة البعض. وأن تحافظ على كرامتك حتى لو كان ثمنها باهظاً. وأن ترفض المساومة على قيمك مهما كانت المغريات. وأن تدرك أن ما يبقى في نهاية المطاف ليس ما جمعته من مكاسب، بل ما تركته من أثر.
وإذا كنت أشعر بالطمأنينة اليوم، فليس لأن الطريق كان سهلاً، بل لأنني أؤمن بأن الله كان دائماً إلى جانبي. ففي أشد اللحظات غموضاً كان يفتح باباً، وفي أكثر المراحل قسوة كان يمنحني قوة للاستمرار، وفي أوقات الشك كان يذكرني بأن الصدق لا يضيع، وأن العمل الصالح لا يذهب سدى.
لذلك أمضي بثقة المتوكل لا بثقة المتكبر، وبإيمان العامل لا بإيمان المتفرج. أمضي مدركاً أن الناس قد تختلف حولك، وقد تهاجمك، وقد تسيء فهمك، لكن ما دام ضميرك مطمئناً وربك راضياً، فلا خوف من الطريق.
سأبقى كما أنا.
أميناً على مبادئي.
ممتناً للنعم التي أُعطيت لي.
مؤمناً بأن الكلمة الصادقة أقوى من الضجيج.
وبأن المواقف هي التي تصنع الإنسان، لا الشعارات.
وبأن الله، إذا كان معك، فلا شيء في هذا العالم يستطيع أن يكون عليك.
ولذلك لا أنظر إلى الأمام بخوف، بل برجاء. ولا أرى في التحديات جدراناً، بل أبواباً تنتظر من يملك الجرأة لفتحها. فكل تجربة كانت درساً، وكل عثرة كانت بداية جديدة، وكل محطة صعبة كانت إعداداً لمرحلة أجمل وأوسع أثراً.
ما زلت أؤمن أن أجمل ما في الحياة لم يأتِ بعد، وأن الله لا يزرع حلماً في قلب إنسان إلا ويمنحه القدرة على السعي إليه. وما دام في القلب نبض، وفي العقل فكرة، وفي الروح إيمان، فالمستقبل يبقى مساحة للأمل والعمل والإنجاز.
لهذا سأتابع المسير برأس مرفوع وقلب ممتن وعينين تتطلعان إلى الأفق. سأزرع حيث أستطيع، وأبني حيث أستطيع، وأعطي حيث أستطيع، تاركاً للزمن أن يقول كلمته وللأعمال أن تشهد.
فالرياح قد تشتد، والطرق قد تطول، لكن الشمس لا تخون موعدها مع الفجر.
وأنا ابن الإيمان والعمل والأمل... ولن أتوقف عن الحلم، لأن الغد يُصنع بأيدي الذين يؤمنون بأن النور أقوى من الظلام، وأن الإرادة أقوى من العقبات، وأن الله يكتب دائماً أجمل النهايات لمن صدقوا في البدايات.