| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
كتب محمد العربي
بينما تنشغل الصالونات الدبلوماسية الدولية بصياغة بنود ما يُشاع عن "تفاهم أميركي ــ إيراني" يلوح في الأفق، وتضج وسائل الإعلام بالحديث عن مسودات اتفاق، وهدنٍ ستينية، وفتح للمضائق، تعيش القرى والبلدات الجنوبية هواجس من نوع آخر.
خلف الكواليس السياسية، يبدو أن هناك سباقاً محموماً بين الدبلوماسية والنار؛ حيث تسعى إسرائيل إلى ترجمة قلقها من أي اتفاق دولي لا يلبي شروطها كاملة، عبر تصعيد عدواني غير مسبوق، يدفع ثمنه الحجر والبشر في الجنوب اللبناني.
لم تعد النبطية وقضاؤها مجرد نقاط في بنك الأهداف الإسرائيلية، بل تحولت إلى عنوان رئيسي لسياسة "الأرض المحروقة" التي ينتهجها الاحتلال. الخوف الحقيقي اليوم، والذي يعيشه الأهالي والخبراء العسكريون على حد سواء، ليس مجرد غارات عابرة، بل هو مخطط تدميري ممنهج يهدف إلى إبادة الحواضر الاقتصادية والتاريخية للمنطقة. حيث تعمد الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى استهداف: الأسواق التراثية بهدف ضرب الشرايين التجارية التاريخية التي تغذي النبطية ومحيطها. وكذلك ضرب الأحياء السكنية القديمة لمحو الهوية العمرانية للمدينة. كما لم توفر ألة الدمار الاسرائيلية البنى التحتية الأساسية من استهداف شبكات المياه، الكهرباء، والمستشفيات في النبطية وقراها المحيطة (مثل جبشيت، كفررمان، حبوش، والدوير).
الهدف الميداني ، ليس عسكرياً بحت، بل هو محاولة لـ "عقاب جماعي" يهدف إلى جعل هذه المناطق غير قابلة للحياة حتى بعد توقف المدافع، وفرض أمر واقع جغرافي عبر محو قرى الحافة الأمامية والعمق القريب، وتحويلها إلى أراضٍ محروقة تضمن للاحتلال "منطقة عازلة" بحكم الأمر الواقع.
تأتي هذه الهستيريا التدميرية في وقت تقر فيه التقارير العبرية بأن الجيش الإسرائيلي يواجه معضلات معقدة في محاولات التوغل البري. أمام الضربات النوعية والمُسيّرات التي تستنزف قواته في ما يسمى "الوحل اللبناني"، يهرب الجيش الإسرائيلي نحو خياره الأسهل والأكثر إجراماً: التدمير من الجو.
إن تدمير النبطية وقراها يمثل حاجة سياسية ملحة لبنيامين نتنياهو لتقديم "صورة نصر" وهمية لجمهوره، والإيحاء بأنه حقق الردع، خاصة إذا ما فرضت عليه واشنطن صياغة معينة للاتفاق المفترض مع طهران.
تُشير المسودات الدبلوماسية المسربة والتقارير الواردة من أروقة صناعة القرار في واشنطن والمنطقة إلى أن المسار الخاص بلبنان في "التسوية الكبرى" يرتكز على عدة ركائز أساسية ومثيرة للجدل، وهي التي تشعل الميدان حالياً .
الحديث يدور عن إقرار هدنة مؤقتة لمدة 60 يوماً (هدنة ستينية) كمرتكز أولي. خلال هذه الفترة، من المفترض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من المواقع التي توغل فيها، مقابل تراجع مقاتلي المقاومة إلى شمال نهر الليطاني.
بينما تكمن العقدة الأساسية في الإصرار الإسرائيلي ــ المدعوم أميركياً في بعض جوانبه ــ على انتزاع شرعية دولية تمنح تل أبيب "حرية العمل العسكري الدائم" في الأجواء والأراضي اللبنانية. الذريعة الإسرائيلية هي "منع إعادة تسليح المقاومة" أو إحباط أي بنية تحتية عسكرية جنوب الليطاني فور رصدها، وهو ما يرفضه لبنان الرسمي كونه يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة وقبولاً بـ"صك استسلام".
وبينما يطالب لبنان بتطبيق القرار الدولي 1701 كما هو دون تعديلات، تسعى التسوية المطروحة إلى استحداث آلية رقابة دولية جديدة تشرف عليها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لضمان خلو المنطقة جنوب الليطاني من أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل". كما يشمل المقترح تعزيز انتشار الجيش اللبناني بشكل مكثف (بين 5000 إلى 10000 جندي) وتسليمه كامل النقاط الحدودية.
إضافة الى ذلك ، وهو الاخطر ، تتضمن الخطوط العريضة للتسوية الإقليمية بنوداً أوسع ترتبط بـ ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل لحل النزاع على النقاط الـ13 المتحفظ عليها (بما فيها الغجر ومزارع شبعا كخطوة لاحقة)، وربط هذا الملف بـ تفاهمات بحرية وممرات برية لضمان حرية الملاحة والتجارة الإقليمية كجزء من الصفقة الأميركية ــ الإيرانية الأكبر.
يبقى سباق "عض الأصابع" هو خلاصة المشهد ،إن القراءة المتأنية للمشهد الميداني والسياسي تقودنا إلى خلاصة واحدة ومقلقة: إسرائيل تسعى جاهدة لفصل مسارات التفاوض، وترفض أن تكبل التسوية الأميركية - الإيرانية يديها في لبنان.
وإلى أن تنضج ظروف التسوية أو تنهار، ستبقى النبطية وقراها، معلقة بين مطرقة الشروط الإسرائيلية التعجيزية وسندان الاستهداف التدميري الذي يحاول قضم الجغرافيا وتهجير التاريخ. إنها مرحلة "عض الأصابع" الأقسى، حيث يُكتب مستقبل الحدود اللبنانية بالدم والنار، وسط مخاوف مشروعة من أن تأتي التسوية الدولية على أنقاض ما تبقى من حواضر الجنوب وعاصمته التجارية والتاريخية