| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
كتب محمد العربي -
في أدبيات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، تبرز ملامح "أخلاق العبد" الذي لا يرى في الحرية غاية بحد ذاتها، بل يراها عبئاً ثقيلاً يهرب منه بالبحث عن "سيد رحيم".
يحكى أن عبداً برع في نيل حريته بقوة ذراعه، وعندما سُئل عن خطته لمستقبل الحرية، صدم الجميع بقوله: "سأبحث عن سيد يعاملني برفق".
هذه الأقصوصة ليست مجرد نص فلسفي قديم، بل هي تشريح دقيق للواقع اللبناني الذي يتخبط بين وصاية راحلة ووصاية منشودة.
لبنان يدور في دوامة الارتهان ،الهروب من سجن إلى زنزانة اختيارية .
فلبنان اليوم يعيش تحدياً وجودياً يتجاوز الأزمة الاقتصادية والسياسية؛ إنه تحدي "الوعي". فالمعضلة اللبنانية تكمن في أننا، ككيان سياسي واجتماعي، غرقنا في دوامة من الارتهانات المتلاحقة. فما إن نتحرر من نفوذ محور إقليمي، حتى تسارع القوى السياسية، مدفوعة بقواعدها الشعبية، للارتماء في أحضان محور آخر، وكأن الوطن في تركيبته العميقة عاجز عن أن يكون "سيد نفسه".
إن مأساة اللبنانيين ليست في غياب مؤسسات الدولة فحسب، بل في ارتضاء "عقلية الرهينة". لقد تحول الوطن إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، حيث تُدار الدولة "بالوكالة"، ويُختزل التاريخ والطموح في أجندات عابرة للحدود، مما يفقد الكيان جوهر وجوده كدولة مستقلة.
ان بناء الدولة يتطلب الخروج من عباءة "الزعيم الرهينة".
لبنان لا يحتاج إلى "زعيم رحيم" يوزع الهبات مقابل الولاء، ولا إلى "راعٍ خارجي" يضبط إيقاع الطوائف. إن العبور نحو الدولة الحقيقية يتطلب كسر حلقة التبعية من خلال ثلاثة ركائز أساسية:
القرار الوطني المستقل: أن تمتلك الدولة الجرأة على اتخاذ خطوات تخدم المصلحة الوطنية العليا دون انتظار إشارة خضراء من عواصم القرار الدولي.
دولة المؤسسات لا الأفراد: الانتقال من حكم "الزعماء الرهائن" للخارج إلى حكم المؤسسات التي تستمد شرعيتها من الدستور والقانون فقط.
وأخيرا" ثقافة المواطنة: تحرير وعي اللبناني من فكرة "الرعية" التي تستجدي الحماية من طائفة أو محور، إلى فكرة "المواطن" الذي يستمد كرامته من قوة دولته.
السيادة ممارسة لا فكرة ،
إن حلم "الدولة الحقيقية" سيبقى مجرد حبر على ورق طالما أن الحلول تُطبخ في الخارج وتُقدم لبيروت كأطباق جاهزة. الاستقلال ليس مناسبة سنوية نرفع فيها الأعلام، بل هو ممارسة يومية لسيادة القرار وفعل إرادة لا يلين.
قصة العبد الذي بحث عن سيد جديد عند نيتشه تنتهي بمرارة التبعية الأبدية، هي نفسها قصة لبنان التي تسلك الدرب ذاته.
الطريق إلى السيادة يبدأ بسؤال أنفسنا: "ماذا سنفعل لبلدنا؟" عوضاً عن سؤال الخارج: "ماذا ستفعلون لنا؟". فالدولة تبدأ عندما نؤمن يقيناً أننا لسنا بحاجة لوصي، بل لإرادة وطنية صلبة لا تُباع ولا تُشترى في "سوق المحاور".
ولكن للأسف لن نؤمن بعد.!