| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
بقلم - صموئيل نبيل اديب
بعيدًا عن الصخب والضجيج عند الرحيل ، وسواء أكانت المشاعر حقيقية أم زائفة؛ و بعيدًا عن عدسات الكاميرات وتهافت الصحفيين، وعن أولئك الذين يحضرون مراسم الوداع بدافع المجاملة أو الواجب أو الزمالة.. بعيدًا عن كل هؤلاء، ستجد شخصًا ربما لم تره قط، ولم يطرأ على بالك يومًا، لكنك ستراه واقفًا من بعيد، يعتصره الحزن على فراقك، مكسورًا لأنه لن يراك ثانية.. هذا الشخص هو تجسيد لعملك الطيب في الحياة؛ هو ذلك الخير الذي صنعته دون وعي منك ولا انتظار لرد جميل، هي المساعدة الخفية التي قدمتها في لحظة شدة، والحب الخالص الذي بذلته دون أن تدرك أثره.
لقد حضرت جنازات كانت قاعاتها غاصة بالحضور، والمنتظرون في الخارج أكثر ممن بالداخل، لكن وسط هذا الزحام دائمًا ما يلفت انتباهي شخص أو اثنان، قد حُفر الحزن على وجوههم وتجمد الدمع في عيونهم. وحين أسأل عنهم، أكتشف أنهم قد يكونون أبعد الناس صلة بالمتوفى، لكنهم جاءوا خصيصًا من أجل خدمة أسداها لهم، أو موقف رجولي قدمه في محنتهم، أو حتى حبٍّ منحهم إياه بلا ثمن أو سبب؛ وهذا هو الحب الحقيقي.
واليوم، وفي جنازة الفنان هاني شاكر، وبعيدًا عن ضوضاء النجوم وتزاحم الإعلاميين، لفت الأنظار رجل يقف تحت لهيب الشمس ممسكًا بصورة "أمير الغناء" و يرفعها طوال الوقت ويُقبلها بحرارة… رجل غريب، أظن أن الراحل لم يقابله أبدًا ولم يعرفه، لكن عمل هاني الطيب وسمعته وأخلاقه هي من جعلت القلوب تهفو إليه بهذا الإخلاص.
ذلك الرجل لم يكن يحمل صورة فنان مشهور ليلتقط صورة تذكارية، بل كان يحمل "ردًا للجميل"؛ فربما كانت أغنية لهاني هي ونيسه الوحيد في ليلة غربة موحشة، أو كان صوته الشاهد الصادق على قصة حب عاشها، أو لعل مواقف هاني الإنسانية التي كانت تتم في الخفاء هي التي جعلت هذا الرجل يشعر بفضل الفنان عليه دون أن يجمعهما لقاء واحد.
أظن أن صوت هاني شاكر لم يكن مجرد نغمات تداعب المشاعر، بل كان بمثابة "طبطبة" رقيقة وزعت على بيوتنا لسنوات طويلة. هاني لم يترك خلفه إرثًا من الألحان فحسب، بل ترك أثرًا يشفع له عند القلوب البسيطة التي لا تعنيها السجادة الحمراء ولا أضواء الشهرة…
. هؤلاء البسطاء هم من يبنون المقام الحقيقي لأي إنسان؛ مقام لا يُشيّد من الرخام والفخامة، بل من المحبة الصافية ودعوة صادقة تخرج من القلب في ساعة صمت وسط الزحام.. .
في النهاية، ينقضي العمر، وينفض الجمع، وتخلو القاعات، ولا يتبقى منا سوى أولئك القلائل.. الذين يقفون بعيدًا، يحملون حزنًا حقيقيًا، ويشتاقون لروح لمست أرواحهم يومًا بكلمة أو فعل أو حتى نظرة حنان؛
فهنيئًا لمن يجد في وداعه قلوبًا تحبه بصدق