| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
- " فادي غانم "
في زمنٍ تختلط فيه الضوضاء بالحقائق، وتضيع فيه القضايا البيئية بين المزايدات والاصطفافات، تبرز نماذج نادرة تُعيد الاعتبار لجوهر العمل العام: المعرفة، المسؤولية، والالتزام. من بين هذه النماذج، تفرض وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين حضورها بأسلوب مختلف، لا يقوم على الانفعال، بل على الصرامة العلمية والهدوء الواثق.
معرفتي بتمارا الزين لا تنطلق من موقع دفاعٍ أو اصطفاف، بل من مراقبةٍ قريبة لطريقة عملها ونهجها. هي صارمة في قراراتها، نعم، لكن هذه الصرامة ليست انعكاساً لحدّة، بل نتيجة طبيعية لمسار علمي واضح، ولإيمان عميق بأن البيئة لا تُحمى بالشعارات، بل بالمعايير، والأرقام، والالتزام بالقانون.
ما يميّزها فعلياً هو أنها لا تتسرّع في اتخاذ القرار. تستمع، تُصغي، تفتح المجال للنقاش، وتُوازن بين المعطيات قبل أن تحسم. وهذا السلوك، في العمل البيئي تحديداً، ليس تفصيلاً، بل هو جوهر الحوكمة الرشيدة. فالبيئة ليست ملفاً تقنياً فقط، بل منظومة معقدة تتقاطع فيها الطبيعة مع المجتمع والاقتصاد، وأي قرار فيها يحتاج إلى فهم عميق وشامل.
هي أيضاً قريبة من الناس. ليست بعيدة خلف المكاتب أو محصّنة بخطابات رسمية. تدرك أن البيئة تبدأ من المجتمعات المحلية، من المزارعين، من سكان القرى المحيطة بالمقالع، من كل مواطن يشعر أن الطبيعة جزء من حياته اليومية. هذا القرب ليس مجرد تواصل، بل هو جزء من رؤية تؤمن بأن حماية البيئة مسؤولية جماعية.
في ما كتبته مؤخراً، يمكن قراءة ما هو أبعد من ردّ على سجال. هناك دفاع واضح عن منهج: أن يكون النقاش قائماً على الوقائع لا الشائعات، على الأدلة لا الانطباعات، وعلى الشفافية لا التضليل. وهذه ليست مسألة شكلية، بل شرط أساسي لأي تقدم بيئي حقيقي. لأن البيئة، بطبيعتها، لا تتحمل التزييف. الأثر البيئي قابل للقياس، والضرر لا يمكن إخفاؤه إلى الأبد.
بعيداً عن السياسة، ما نحتاجه اليوم هو إعادة بناء العلاقة مع الطبيعة على أسس جديدة. علاقة قائمة على الاحترام، على المعرفة، وعلى الإحساس بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة. وهنا تحديداً، يبرز دور القيادات التي تفهم أن حماية البيئة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية.
تمارا الزين تمثل هذا التوجه: مقاربة علمية، قرار مبني على معطيات، وانحياز واضح لمفهوم الاستدامة. قد يختلف معها البعض في الرأي، وهذا طبيعي، لكن ما يصعب إنكاره هو أن هناك محاولة جدية لإعادة ضبط البوصلة، ووضع البيئة في مكانها الصحيح: كقضية تتطلب صدقاً، لا ضجيجاً.
في النهاية، البيئة لا تحتاج إلى من يدافع عنها بالكلام، بل إلى من يعمل لأجلها بصمتٍ ووضوح. وربما، في زمن الضجيج، يكون هذا النوع من العمل هو الأكثر إلهاماً.