| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
كتب محمد العربي
في زاوية منسية من جبل لبنان، حيث يمتزج رذاذ الغيم برائحة الصعتر البري، وُلد "الحلم". كان بيتاً صغيراً، جدرانه سميكة تسكنها حكايات الجدات، ونوافذه خشبية تطل على وادٍ سحيق. هناك، كنا صغاراً نركض خلف الفراشات، وعيوننا لا تفارق السماء. كنا نشعر أن ذاك البيت "ضيق" على طموحاتنا، وأن النجوم التي نراها من فوق القرميد تنادينا لنلمسها.
حين اشتدّ العود، حملنا في حقائبنا دعوات الأمهات وبعضاً من تراب الأرض، ورحلنا. قصدنا المدن لنطال تلك النجمة التي ظننا أنها تسكن فيها أو في بريق العملات ، أو في لمعان المناصب.
كانت الغربة مدرسة قاسية؛ علمتنا كيف نعدُّ الثواني بالعمل، وكيف نحول التعب إلى أرقام في حسابات مصرفية. غرقنا في ضجيج المدن الكبرى، نركض خلف النجاح، نجمع الحجر فوق الحجر، والقرش فوق القرش. وفي غمرة السباق، بدأت النجمة التي طال انتظارها تخفت، لتترك مكانها لوميض آخر...الا وهو ،وميض الحنين.
انقلبت الاية حين أصبح الماضي هو المستقبل
يا لغرابة القدر! بعد سنوات من "تجميع المصاري" وبناء الذات، يكتشف المرء أن أثمن ما يملكه ليس منصبه ومركزه ولا حتى رصيده البنكي، بل تلك اللحظة التي كان يشرب فيها القهوة على شرفة بيته العتيق.
"قضينا نصف عمرنا نهرب من البيت الصغير لنغزو عالمنا الخيالي، وسنقضي نصفه الآخر نغزو هذا العالم لنعود إلى ذاك البيت الصغير."
فجأة، يصبح "الحلم الجديد" هو نفسه "الواقع القديم". نكتشف أننا لم نخرج من ضياعنا لنبتعد، بل خرجنا لنفهم قيمة ما كان بين أيدينا.
أصبحنا نبحث عن قطعة أرض تشبه تلك التي لعبنا فيها.
اصبحنا نحلم ببيت بمدخنة حطب، بعيداً عن أجهزة التكييف المركزية.
اصبحت حاجتنا الى المال، لا لشراء سيارة فارهة، بل لترميم قنطرة أو بناء "عريشة" عنب تذكرنا ببيوت أهلنا.
هي قصة اللبناني الأبدية: يخرج كبيراً ليصغر، ويغترب ليقترب. نحن لا نبني بيوتاً في الجبل لمجرد السكن، بل نبنيها لنستعيد أنفسنا التي تشتت في المدن والبحث عن طموحاتنا
ندرك أن "النجمة" التي ركضنا خلفها لم تكن في السماء البعيدة، بل كانت تنعكس كل ليلة على سقف ذاك البيت الصغير في جبل لبنان. لقد عدنا، ليس لأننا فشلنا في بلوغ النجوم، بل لأننا وجدنا أن الجنة هي تلك المساحة الصغيرة التي نشمّ فيها رائحة أهلينا.