| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
كتب رئيس تحرير موقع الثائر اكرم كمال سريوي -
في ذكرى الحرب الأهلية يعود شبح الحرب ليخيّم على لبنان، وغير صحيح أنها بعيدة، فأسبابها ما زالت قائمة، خاصة أن البلد يتعرّض لعدوان هو الأعنف والأكثر دمارًا، فإسرائيل تستثمر في انقسامات اللبنانيين، وتضغط لوضع بعضهم في مواجهة البعض الآخر.
حوّلت إسرائيل المدنيين إلى أهداف عسكرية، في انتهاك فاضح للقانون الدولي الانساني، وتجاوز لكل الشرائع والاتفاقات الدولية، وباتت تقصف وتقتل وترتكب المجازر وتُجبر السكان على النزوح القسري دون أي رادع أو وازع اخلاقي، وبعض اللبنانيين يهلل لإسرائيل.
إن أشد الاخطار على اي شعب او دولة، هو عندما يبلغ الانقسام الداخلي ذروته، ويبتلع التطرف، بكل أشكاله المذهبي والطائفي والمناطقي والعرقي، كل فكر عقلاني او مشاريع اصلاحية، فينتقل الصراع من صراع وطني وبحث عن مصلحة الوطن المواطن، لينحصر في تحقيق الفوز على الآخر وتحقيق مكاسب شخصية وفئوية حزبية او مذهبية.
بالمختصر هذا هو واقع لبنان اليوم، فلا يوجد حزب جامع، او على الاقل زعيم جامع، يلتف حوله اللبنانيون خارج القيد الطائفي، فلبنان على مدى أكثر من مئة عام، فشل في الوصول إلى صيغة سليمة حقيقية تحفظ العيش المشترك ويتساوى فيها اللبنانيون، وما لدينا اليوم من نظام هو تكريس لمنطق التوازنات الطائفية الهشة، التي هي عرضة للانتكاس في اي لحظة، ويمكن أن تُعرّض البلد والسلم الاهلي الى اهتزازات ارتدادية، قد تدفع بالبلد الى كارثة حقيقية.
حاول كمال جنبلاط منذ خمسينات القرن الماضي، أن ينبّه إلى خطر الاستمرار بالنظام الطائفي، وضرورة فصل الدين عن الدولة، والغاء نظام الامتيازات المذهبي، الذي لا بد أنه يفرّق ولا يجمع، وبدل تمتين وحدة الشعب يُرسّخ أكثر فأكثر صيغة التباعد والانقسام، وهذا يدفع بالقيادات السياسية الى استعطاف الخارج واستجلاب التدخلات الدولية، التي ولّدت حروباً اهلية لم تنتهِ، ولو خفتت، لكن يمكن أن تندلع شرارتها في أي وقت.
يغزو التطرف كل المنطقة والعالم، وفي لبنان يتراجع تيار الاعتدال، فيما تتقدم اللغة الطائفية والشعارات المذهبية، وتزداد حدة مع كل استحقاق وطني، فيما البلد يعاني من أزمات متلاحقة، بدءاً من الانهيار الاقتصادي والحرب المشتعلة جنوباً، وصولاً إلى الضغوط الخارجية ومشاريع الاصطفاف الدولي الذي بات يعصف بالعالم، من امريكا الى اسيا واوروبا، مروراً بهذا الشرق الاوسط المضطرب والضعيف.
يوجد قوانين دولية لكنها لا تُطبق، ويوجد مؤسسات دولية لكنها مشلولة ودورها معطّل، والعالم يخضع لقانون جديد، هو يشبه عملية تسييل فائض القوة واستخدامها خارج كل القيود، لفرض مناطق نفوذ وسيطرة جديدة، في سباق محموم على الثروة والهيمنة، ولو على حساب دمار الشعوب.
عندما سُئل الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن سبب تهديده باستهداف الجسور ومنشآت الطاقة الايرانية، رغم ان هذه مخالفة للقانون الدولي وتعتبر جرائم حرب، اجاب "لأنهم حيوانات".
هكذا ينظر ترامب الى من يخالفه الرأي، حتى في امريكا واوروبا لم يوفّر احد من الاهانة، لا رؤساء امريكا السابقين ولا رؤساء الدول الحليفة لامريكا، من اوروبا الى اسيا وغيرهم من دول العالم.
عالم جديد يتشكّل على وقع الصراعات وقوة النفوذ والسيطرة، وما اشبه اليوم بالامس، عندما استباحت الدول القوية الدول الضعيفة، ثم تصادمت فيما بينها باعنف الطرق والاشكال وخاضت حربين عالميتين، وخلفت دماراً لا متناهيا وازمات لا محدودة.
حاول العالم لسنوات أن يُرسي قواعد جديدة للحروب، للحد من القتل والاجرام والطغيان، ونجح نسبياً في ارساء بعض الاستقرار في ظل توازن قوى الشرق والغرب، لكنه اليوم انهار بشكل مريع، ولا احد يستطيع أن يتنبأ كيف سترسو صورة العالم الجديد وتوازناته، لكن الأكيد مسألة وحيدة، أننا امام انهيار للقيم الانسانية، وتشريع لمنطق الغلبة والقتل، والتطرف اصبح سيد الموقف.
لبنان ليس استثناءً، ومنطق الغلبة، والاستقواء الطائفي، وغياب الوسطية والعقلانية في لبنان سيقود إلى صدام فعلي، والرهان على أن الجيش سيمنع الحرب، وأن استخدام القوة والترهيب يحلان أزمات لبنان، هو رهان خاطئ وفي غير محله، فوحدها لغة الحوار والخطاب العقلاني، وقبول الرأي الآخر، واللغة الدبلوماسية، والبحث عن المصلحة الوطنية، وتغليبها على المصالح المذهبية والفئوية، قد تكون ضمانة حقيقية لعدم اندلاع حرب اهلية مجدداً في لبنان.
حمى الله لبنان وشعبه.