| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
العميد المتقاعد دانيال الحداد -
في معظم دول العالم تكفي أزمة واحدة لإرباك الدولة وإرهاق المجتمع. أمّا في لبنان، فالمشهد أكثر تعقيدًا: نحن أمام حزمة أزمات متشابكة، لا تعمل منفصلة بل يتغذّى بعضها من البعض الآخر، حتى تبدو البلاد كأنها تدور في حلقة ضيّقة من الضغوط المتراكمة.
الأزمة الاقتصادية والمالية لم تعد مجرّد أرقام في تقارير مصرفية، بل تحوّلت إلى واقع يومي يطال لقمة العيش والدواء والتعليم وفرص العمل. إنها أزمة ثقة بقدر ما هي أزمة سيولة، وأزمة إدارة بقدر ما هي أزمة موارد، وأزمة حاجات بقدر ما هي أزمة إمكانات . وإلى جانبها، تقف أزمة النظام السياسي، إذ تعوق الحسابات الفئوية، الظاهر منها والخفي، وبما فيها من إسقاطات مباشرة على سلوك الأفراد والمكوّنات، أيّ مسار إصلاحي جدّي، فيما تتراكم آثار سوء الإدارة والفساد حتى تغدو جزءًا من البنية لا من الاستثناء.
ثم هناك الأزمة الاجتماعية–الأخلاقية، التي تتغذّى من القلق والعوز وفقدان الأمان، وصعوبة تنظيم المجتمع. والأزمة الأمنية التي تطلّ برأسها بين الحين والآخر في ظلّ نار محلية مكبوتة، ومحيط إقليمي مضطرب . والأزمة البيئية التي تكشف هشاشة البنى التحتية وتفاقم الحاجات وسوء التخطيط . أما الأزمة السياسية، فتتمثل في فراغات متكررة وتوافقات هشة، تجعل الدولة تبدو أحيانًا كأنها تدير الوقت بدل أن تدير الحلول.
ومن أعقد التحديات المعضلة الديموغرافية. فلبنان، بمساحته المحدودة وإمكاناته المتواضعة، يُعد من أعلى الدول كثافة سكانية نسبةً إلى مساحته. وقد تفاقم هذا الواقع بفعل موجات النزوح واللجوء المتعاقبة، ما فرض ضغطًا هائلًا على الاقتصاد وسوق العمل والخدمات العامة والبنى التحتية.
تتشابك هذه الأزمات حتى يصعب فصل واحدة عن الأخرى، فتتشظى الخلافات، وتتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، حتى تكاد كل أسرة تنال نصيبها الخاص من القلق العام.
مع ذلك، ثمة حقيقة لا يمكن إنكارها: هذا البلد، رغم كل شيء، لم يسقط بالكامل.
في هذه البقعة الصغيرة من العالم حيث يتدلّى البحر كمرآةٍ زرقاء على كتف الجبل، ما زال الناس يفتحون نوافذهم كلّ صباح، كأنهم يمنحون الضوء فرصة جديدة.
قد يبدو الأمل وهماً في لحظات الانكسار، لكنه في لبنان ليس ترفًا عاطفيًا، بل ضرورة وجودية. اللبناني يتكيّف حين تغيب الدولة، ويبتكر حين تتعطّل المؤسسات، ويستمرّ لأنه لا يعرف معنى الاستسلام الكامل. ينام على قلق، ويستيقظ على بصيص أمل ، ويؤجل يأسه إلى إشعار آخر.
لبنان اليوم عند مفترق طرق. فإما أن تستمر الأزمات في إعادة إنتاج نفسها، وإما أن تتحوّل الصدمات المتوالية إلى لحظة إعادة تأسيس، فالشعوب لا تُقاس بعدد ما يثقلها من أزمات، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى فعل. وربما، في هذا الركن الصغير من الشرق،
يكفي أن يبقى القلب نابضًا، كي يبقى الوطن ممكنًا.