| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
بيروت – أعدّ المحامي ميشال إقليموس دراسة دستورية وميثاقية موسّعة تناول فيها مفهوم “تحييد لبنان” عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، باعتباره خيارًا سياديًا يهدف إلى تجنيب البلاد الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات في المنطقة، وترسيخ الاستقرار الداخلي ضمن الأطر الدستورية والميثاقية.
إعلان بعبدا: محطة إجماع وطني
تستعيد الدراسة محطة 11 حزيران 2012، حين توافق القادة السياسيون المجتمعون في قصر بعبدا، خلال ولاية رئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان، على مبدأ “تحييد لبنان” عن الصراعات الإقليمية والدولية. وقد ورد هذا التوافق صراحة في البند 12 من إعلان بعبدا، فيما نصّ البند 17 على التزام جميع الأطراف بمضمونه وإبلاغ نسخة منه إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.
وفي 21 حزيران 2012، سُجّل الإعلان وثيقةً رسمية من وثائق الأمم المتحدة خلال دورتها العامة السادسة والستين، عندما كان الرئيس نواف سلام يشغل منصب مندوب لبنان الدائم لدى المنظمة الدولية. كما حظي الإعلان بتأييد مجلس الأمن الدولي في بيان رسمي، في خطوة شبّهتها الدراسة ببياني مجلس الأمن الداعمين لـ**اتفاق الطائف** عام 1989.
كذلك نوّه الأمين العام لجامعة الدول العربية بالإعلان في 23 حزيران 2012، واصفًا إياه بأنه أرسي مجموعة من الثوابت الجامعة للبنانيين، فيما صدر في اليوم نفسه بيان أوروبي مشيد به خلال اجتماع وزراء الخارجية في بروكسل. وفي عام 2013، تأسست “المجموعة الدولية لدعم لبنان” التي اعتمدت مبدأ تحييد لبنان ضمن مرتكزات دعمها للاستقرار اللبناني.
تحييد لا حياد: قراءة في المفهوم الدستوري
توضح الدراسة أن “التحييد” يختلف عن “الحياد” في المفهوم القانوني الدولي. فالتحييد، كما ورد في إعلان بعبدا، هو خيار سيادي ذاتي في إدارة السياسة الخارجية، يهدف إلى تجنيب الدولة الانخراط في سياسة المحاور، من دون التخلي عن التزاماتها الدستورية والعربية والدولية.
وتشير إلى أن البند 12 من الإعلان استثنى ثلاثة عناصر أساسية من مبدأ التحييد:
1. الالتزام بقرارات الشرعية الدولية وفق ميثاق الأمم المتحدة، انسجامًا مع مقدمة الدستور اللبناني.
2. الالتزام بالإجماع العربي، تطبيقًا للمادة السابعة من ميثاق جامعة الدول العربية، التي تجعل قرارات مجلس الجامعة الصادرة بالإجماع ملزمة لجميع الدول الأعضاء.
3. الالتزام بالقضية الفلسطينية، بما في ذلك حق اللاجئين في العودة وإقامة دولتهم المستقلة، انسجامًا مع الفقرة (ط) من مقدمة الدستور التي ترفض التوطين.
وبذلك، تؤكد الدراسة أن إعلان بعبدا لم يتبنَّ حيادًا مطلقًا، ولم يمسّ بانتماء لبنان العربي أو بموقفه من الصراع العربي–الإسرائيلي، بل كرّس تحييدًا سياديًا منضبطًا بثوابت دستورية وميثاقية.
التحييد كامتداد للميثاق الوطني والطائف
تربط الدراسة بين مبدأ التحييد ومحطات تأسيسية في تاريخ الدولة اللبنانية. ففي عام 1943، قام الاستقلال على معادلة “لا شرق ولا غرب”، فيما كرّست وثيقة الوفاق الوطني عام 1989 مبدأ لبنان “الوطن النهائي لجميع أبنائه”، ونصّت على أنه “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.
وترى الدراسة أن التوافق على تحييد لبنان عام 2012 أعاد التأكيد على هذه الثوابت، وشكّل تعبيرًا عن آلية التوافق الوطني التي نصّت عليها المادة 65 من الدستور، والتي تُعلي من شأن التوافق في اتخاذ قرارات مجلس الوزراء، ولا سيما في القضايا الأساسية التي تتطلب أكثرية الثلثين.
تحصين الداخل عبر السياسة الخارجية
وتخلص الدراسة إلى أن تحييد لبنان في سياسته الخارجية، ضمن الاستثناءات المحددة، يهدف عمليًا إلى تحييد الداخل اللبناني عن تداعيات الأزمات الخارجية، ومنع انتقال صراعات المنطقة إلى الساحة الداخلية. وهو، بحسب معدّها، انتقال من “سياسة الانتظار” إلى “سياسة المبادرة” في حماية الاستقلال وتعزيز الوحدة الوطنية.
وتؤكد أن إعادة إحياء الالتزام بمبدأ تحييد لبنان يشكّل مدخلًا دستوريًا وميثاقيًا لاستعادة دوره الحضاري والتاريخي، وترسيخ استقراره، وصون ميثاق العيش المشترك، بما يعيد تثبيت لبنان كـ“وطن الرسالة” في محيط مضطرب.