| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه
قراءة تحليلية في فرصة مُعلّقة لإعادة بناء الاستقرار

#الثائر
خاص – الثائر
محرر الشؤون اللبنانية
في بلدٍ تتكاثر فيه المبادرات وتتقاطع فيه المشاريع المتعارضة، تبدو الحاجة ملحّة إلى مرجعية سياسية جامعة تُعيد ترتيب الأولويات وتضبط إيقاع الاختلاف. في هذا السياق، قد يكون إعلان بعبدا الإطار الأقرب إلى التلاقي الوطني في المرحلة الراهنة، ليس لأنه كامل أو معصوم عن الثغرات، بل لأنه شكّل لحظة إجماع نادرة حول أولويات الدولة: الاستقرار، تحييد لبنان، دعم المؤسسات الشرعية، والاحتكام إلى الدستور.
صدر الإعلان في 11 حزيران 2012 عن هيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس آنذاك ميشال سليمان، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية. يومها، كان لبنان يقف على تخوم تحولات كبرى في المنطقة، وكان الخوف مشروعًا من انتقال الارتدادات الأمنية والسياسية إلى الداخل. فجاء الإعلان محاولة استباقية لتحصين الساحة اللبنانية عبر توافق سياسي عريض، يؤكد أن حماية السلم الأهلي أولوية تتقدم على كل حساب.
لحظة إجماع نادرة
ما ميّز إعلان بعبدا أنه لم يكن بيانًا حزبيًا أو رؤية فريق سياسي بعينه، بل خلاصة حوار وطني ضم مختلف القوى الأساسية. وقد رسّخ مجموعة مبادئ مركزية، أبرزها:
• الالتزام بنهج الحوار والتهدئة السياسية والإعلامية
• تثبيت دعائم الاستقرار وصون السلم الأهلي
• دعم الجيش والقوى الأمنية بوصفها الضامن للوحدة الوطنية
•تعزيز سلطة القضاء والاحتكام إلى المؤسسات الشرعية
•التمسك بـ اتفاق الطائف ومقدمة الدستور
• تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية
هذه البنود لم تكن مجرد عناوين عامة، بل مثّلت إعادة تأكيد على أن الدولة، لا أي إطار آخر، هي المرجعية النهائية لإدارة الشأن العام.
تحييد لبنان: بين المبدأ والتحدّي
البند المتعلق بتحييد لبنان عن صراعات المحاور كان الأكثر حساسية وإثارة للجدل. غير أن التحييد كما ورد في الإعلان لم يكن انسحابًا من الالتزامات العربية أو الدولية، ولا تنصّلًا من القضايا العادلة، بل مقاربة لحماية الداخل اللبناني من الانخراط في نزاعات تتجاوز قدرته على التحمل.
التحييد، في جوهره، كان محاولة لفصل المصلحة الوطنية عن الاستقطابات الإقليمية، وتكريس أولوية الاستقرار الداخلي على أي اعتبارات أخرى. لكن تطبيق هذا المبدأ اصطدم بتوازنات داخلية دقيقة وبحسابات إقليمية معقدة، ما جعل الإعلان يبقى في كثير من جوانبه إطارًا مرجعيًا غير مُفعّل بالكامل.
من النص إلى التنفيذ: الفجوة المزمنة
المشكلة التي واجهت إعلان بعبدا لم تكن في صياغته، بل في غياب آليات تنفيذ واضحة وملزمة. فالوثيقة نصّت على متابعة البحث في الاستراتيجية الوطنية للدفاع وعلى تطوير آليات تطبيق ما تم التوافق عليه، إلا أن التطورات السياسية المتلاحقة حالت دون استكمال هذا المسار.
وهنا تتجلى الإشكالية البنيوية في التجربة اللبنانية: الاتفاق على المبادئ لا يوازي دائمًا الالتزام بتجسيدها مؤسساتيًا. فالبيانات الجامعة تحتاج إلى إرادة سياسية مستدامة، وإلى أدوات رقابية وتشريعية تضمن تحويل التوافق النظري إلى ممارسة فعلية.
لماذا يبدو أقرب اليوم؟
بعد أكثر من عقد على صدوره، وفي ظل الانهيار المالي والاقتصادي وتراجع الثقة الداخلية والخارجية بلبنان، يكتسب إعلان بعبدا بُعدًا جديدًا. فالدولة التي تعاني من ضعف مؤسساتي ومالي تحتاج إلى مظلة سياسية تعيد تثبيت الأسس: السلم الأهلي، وحدة المرجعية، احترام الدستور، وضبط الخطاب التحريضي.
من هذه الزاوية، لا يُستعاد إعلان بعبدا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل كقاعدة يمكن البناء عليها. فقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب مرجعية جامعة يُضاعف هشاشة النظام، ويترك البلاد عرضة للتجاذبات الإقليمية والداخلية.
بين الواقعية والطموح
لا يمكن الادعاء بأن إعلان بعبدا، بصيغته الأصلية، يشكّل حلًا سحريًا لكل الأزمات. لكنه يمثل نقطة تقاطع ممكنة بين مكونات متباعدة، لأنه يستند إلى مبادئ يصعب الطعن بها: الحوار، الدولة، القانون، الاستقرار.
إن إعادة إحياء روحيته اليوم قد تتطلب تطويرًا في الآليات وربطًا أوضح بين الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي، فضلًا عن تأكيد التزام لبنان بالشرعية العربية والدولية، بما يعزز موقعه في محيطه ويعيد بناء الثقة.
الخلاصة: فرصة لا تزال قائمة
في زمن الانقسامات الحادة وغياب الرؤية الجامعة، قد يكون «إعلان بعبدا» أقرب صيغة قابلة لإعادة إنتاج مساحة مشتركة بين اللبنانيين. ليس لأنه نص مثالي، بل لأنه كان التعبير الأخير عن إرادة توافقية واضحة حول أولويات الدولة.
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان الإعلان كافيًا بذاته، بل ما إذا كانت القوى السياسية مستعدة لتحويله إلى قاعدة انطلاق جديدة، تُعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتضع الاستقرار فوق الاصطفافات.
قد لا يكون إعلان بعبدا نهاية الطريق، لكنه بلا شك أقرب بدايات التلاقي الممكنة في لحظة وطنية دقيقة تحتاج إلى عقل بارد وإرادة جامعة.