| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
- " فادي غانم "
في زمن يزداد فيه ضجيج الحياة وتسارُعها، وتثقل فيه الأعباء على كاهل العائلات الأكثر حاجة، تبرز مبادرات إنسانية تعيد ترتيب الأولويات، وتذكّرنا بأن جوهر المجتمعات لا يُقاس بما تملكه، بل بما تمنحه. من بين هذه المبادرات، تلمع رسالة “لقمة محبة” كفعل إيماني وإنساني يتجاوز حدود العطاء التقليدي، ليغدو نهج حياة قائمًا على التضامن والرحمة.
يقود هذه المبادرة الأب طوني الحاج موسى، خادم رعية سيدة النجاة في بصاليم، مع عائلته وفريق من المتطوعين الذين آمنوا بأن الخدمة ليست عملاً موسمياً، بل التزامًا أخلاقيًا دائمًا. أسبوعيًا، يجمع الفريق تبرعات من أيادٍ بيضاء، ليُعِدّ حصصًا غذائية متكاملة تكفي نحو مئة عائلة من الأكثر حاجة. غير أن “لقمة محبة” لا تختصر رسالتها بتوزيع الطعام، بل تبني جسورًا حقيقية بين من يملكون ومن يفتقدون، وتحوّل فعل العطاء إلى مساحة لقاء إنساني راقٍ.
تتجلى أبعاد المبادرة بصورة أعمق في رعايتها للمسنين والعجزة، حيث لا يقتصر الدعم على المساعدة المادية، بل يمتد إلى الاستضافة حول “مائدة المحبة”، في مشهد تختلط فيه البساطة بالكرامة، ويتحوّل الطعام إلى لغة دفء واهتمام، وتصبح الابتسامة شهادة على أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل بالاحتضان المعنوي أيضًا.
“بكل محبة… نحن نخدم” ليس مجرد شعار يُرفع، بل فلسفة تُمارَس. إنه تعبير صادق عن إيمان بأن الخدمة للآخرين نعمة تُغني الروح قبل أن تسدّ حاجة الجسد، وأن المجتمعات التي تحافظ على ثقافة العطاء قادرة على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مهما اشتدّت.
لقد استطاعت “عائلة لقمة محبة” أن تُشكّل نموذجًا عمليًا للوحدة والتكافل، حيث يتكامل دور الأب طوني مع أفراد عائلته والمتطوعين، في شبكة تضامن حيّة تُجسّد معنى الشراكة المجتمعية. فالعطاء هنا ليس فعل فرد، بل ثقافة فريق، وروح جماعة، وإيمان مشترك بأن المحبة مسؤولية يومية.
وفي هذه الأيام المباركة من زمن الصوم، حيث تتعمّق معاني البذل والتضحية والتجرّد، تزداد الحاجة إلى دعم المبادرات الإنسانية الصادقة. إننا ندعو أصحاب الأيادي البيضاء، وكل من يستطيع المساهمة ولو بالقليل، إلى الوقوف إلى جانب عائلة “لقمة محبة” وتعزيز رسالتها. فكل مساهمة، مهما بدت متواضعة، قادرة على أن تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة عائلة محتاجة، وأن تتحول إلى بركة مضاعفة في زمن الصوم، زمن الرحمة والعطاء.
إن “لقمة محبة” ليست مشروعًا غذائيًا فحسب، بل مشروع كرامة إنسانية. هي شهادة حيّة على أن التضامن ليس شعارًا نظريًا، بل ممارسة يومية تتجسد في لقمة تُقدَّم بمحبة، ويد تُمدّ دون تردد، وقلب يُفتح بلا شروط.
في عالم يطغى عليه منطق المصلحة الفردية، تبقى مبادرات كهذه دليلًا على أن الإنسانية ما زالت بخير. فلنحتذِ بهذا النموذج، ولنجعل من العطاء أسلوب حياة، لأن كل لقمة تُقدَّم بمحبة هي استثمار في مجتمع أكثر عدلًا ورحمة ودفئًا.