| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
خاص – الثائر
حرر الشؤون اللبنانية
14 شباط محطة إعادة تثبيت الدور واستعادة المبادرة
شكّل خطاب الرئيس سعد الحريري في ذكرى 14 شباط محطة سياسية مفصلية أعادت خلط الأوراق في المشهد اللبناني، وأعادت تثبيت "الحريرية الوطنية" كخيار سياسي قائم لا كحالة عاطفية مرتبطة بالذكرى. بين ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبيت الوسط، بدا واضحاً أن ما جرى لم يكن إحياءً رمزياً فحسب، بل إعلان عودة مدروسة إلى قلب المعادلة.
عودة محسوبة… لا اندفاعة عاطفية
في رده على سؤال حول مشاركة "تيار المستقبل" في الانتخابات النيابية، قال الحريري:"قولولي أيمتى الانتخابات لقلّكن شو بدّو يعمل المستقبل… بس بوعدكن إنّو أيمتى ما صارت الانتخابات رح يسمعوا أصواتنا ورح يعدّوها".
العبارة تحمل أكثر من بعد سياسي. فهي لا تعلن قراراً انتخابياً مباشراً، لكنها في الوقت نفسه تنفي منطق الانكفاء. الرسالة واضحة: القرار مرتبط بالتوقيت الوطني لا بالضغط السياسي، والمستقبل حاضر تنظيمياً وشعبياً وجاهز عندما يحين الاستحقاق. إنها عودة بلا استعجال، لكنها أيضاً بلا تراجع.
"استراحة المحارب" انتهت
في بيت الوسط، توجّه الحريري إلى مناصريه قائلاً:
"إنشالله المشوار نكمّلو مع بعض… وأنتم ستقودون لبنان في المستقبل… والله يقدّرنا على قدّ محبتكم".
بهذه العبارات، انتقل الخطاب من الدفاع إلى المبادرة. "الحريرية الوطنية تأخذ مسافة واستراحة محارب لكنها لا تنكسر"، قالها بوضوح، مضيفاً أن من راهنوا على كسرها "هني انكسروا".
المعادلة التي أراد تثبيتها أن المشروع الذي أسسه رفيق الحريري لم يكن ظرفياً، بل رؤية متجذرة قوامها الدولة، الاعتدال، والانفتاح العربي.
الطائف كمرجعية… والدولة كخيار
أعاد الحريري التأكيد أن اتفاق الطائف هو الإطار الدستوري الناظم للحياة السياسية اللبنانية، وأن الحل يكمن في تطبيقه كاملاً، بدءاً من حصر السلاح بيد الدولة وصولاً إلى إلغاء الطائفية السياسية.
هذا التموضع يعيد رسم خط سيادي واضح، لكن بنبرة جامعة ترفض الفتنة الداخلية وتؤكد أن الاستقرار شرط لأي إصلاح.
في لحظة إقليمية دقيقة، يضع الحريري مشروع الدولة في مواجهة مشاريع الأمر الواقع، من دون خطاب تصادمي، بل عبر إعادة تثبيت المرجعية الدستورية.
تموضع عربي متوازن
قوله: «ما تخيّطوا بمسلّة الخلافات الخليجية… نريد أفضل العلاقات مع كل الدول العربية بدءاً من سوريا الجديدة»، يعكس مقاربة خارج الاصطفافات الحادة.
هو يطرح علاقات متوازنة مع المحيط العربي، بعيداً عن منطق المحاور، مؤكداً أن مصلحة لبنان تكمن في الانفتاح والتوازن لا في التورط بالصراعات.
هذا الخطاب يوجّه رسالة طمأنة للداخل والخارج معاً، ويعيد الحريرية إلى موقع الوسطيّة الإقليمية التي ميّزت تجربتها.
التيار الأزرق… إعادة تنظيم المشهد
التحركات الأخيرة للأمين العام لـ"تيار المستقبل" أحمد الحريري، وخطابه الحاد تجاه من "طعنوا في الصميم"، لم تكن منفصلة عن السياق العام. بل جاءت تمهيداً لمرحلة إعادة تنظيم الصفوف، ورسم خريطة تحالفات جديدة.
عودة الحريري أربكت خصوماً وأقلقت حلفاء سابقين. فالفراغ الذي ملأته تسويات ظرفية يعود اليوم إلى أصحابه. من بنى حساباته على غياب “المستقبل” سيعيد النظر. ومن راهن على تفكك التيار الأزرق يكتشف أن الاستراحة لم تكن انسحاباً نهائياً.
ما بعد 14 شباط: عودة الدور لا مجرد عودة الشخص
المشهد الذي رافق الخطاب حمل دلالات تتجاوز المناسبة. حضور شعبي لافت، لغة واثقة، واستعادة رمزية سياسية ارتبطت بمرحلة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث.
الحريري لم يعلن معركة انتخابية، لكنه أعلن عودة المشروع. ولم يحدد موعد المواجهة، لكنه أكد أن الصوت سيُسمع ويُحتسب.
في السياسة اللبنانية، الرمزية تصنع واقعاً. وعودة الحريري إلى المشهد تعني إعادة تثبيت توازن داخل الساحة السنية والوطنية، وإعادة إدخال “المستقبل” لاعباً أساسياً في أي استحقاق مقبل.
خلاصة
خطاب 14 شباط لم يكن خطاب ذكرى، بل خطاب إعادة تثبيت الدور. الحريري قدّم نفسه كامتداد لمشروع دولة أسسه رفيق الحريري، مشروع يؤمن بأن لبنان يقوم مهما تعثر، وأن الدولة تبقى الخيار مهما اشتدت الأزمات.
الحريري راجع… وبقوة.
والمرحلة المقبلة ستُبنى على هذا الإعلان، سياسياً وانتخابياً ووطنياً.