| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
رئيس تحرير موقع الثائر اكرم كمال سريوي -
يسود القلق في لبنان من التهديدات الاسرائيلية المتكررة بالتصعيد، وكلام المبعوثين الذين يركّزون على مسألة وحيدة: "انزعوا سلاح حزب الله أو ستقوم إسرائيل بذلك".
هذا التهويل بالحرب على لبنان مستمر منذ أشهر، ولا أحد من الموفدين أو الدبلوماسيين الغربيين تحدث عن ضرورة وقف إسرائيل لاعتداءاتها أو انتهاكها للسيادة اللبنانية، أو ضرورة انسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتطبيق ولو البند الأول فقط من اتفاق نوفمبر 2024 الذي ينص على: "ستنفذ إسرائيل ولبنان وقف الأعمال العدائية ابتداءً من الساعة 04:00 (بتوقيت إسرائيل/شرق أوروبا) في 27 نوفمبر 2024."
لا أحد ينتقد إسرائيل أو يستطيع أن يضغط عليها، وهم فقط يضغطون على الطرف الضعيف أي لبنان.
في ظل اختلال موازين القوى، ليس فقط بين لبنان وإسرائيل، بل على المستوى العالمي، باتت منطقة الشرق الأوسط بكاملها ملعباً أمريكياً، فلا الروس، ولا الصين، ولا الاوروبيين ولا غيرهم قادر أو راغب في مواجهة مع أمريكا في هذه المنطقة.
ومشكلة لبنان ودول المنطقة، أن اللاعب الأمريكي ليس طرفاً محايداً في النزاع العربي الاسرائيلي، بل على العكس فهو داعم اساسي لإسرائيل، ومنحاز بشكل كامل إلى جانبها، لدرجة التغطية والتستّر على كل الانتهاكات الاسرائيلية للقوانين والاعراف الدولية، وجرائم القتل والابادة، والاغتيالات، والاستيطان، واحتلال وضم اراضي دول المنطقة، من فلسطين إلى سوريا ولبنان، وقد تصل لاحقاً الى دول أخرى، وفق مشروع نتنياهو للشرق الاوسط الجديد وخارطة إسرائيل الكبرى.
بالعودة إلى الحرب على لبنان فهناك رأيان داخل إسرائيل؛ واحد يدعو إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق ضد حزب الله والدولة اللبنانية، وفرض واقع جديد، واحتلال منطقة جنوب الليطاني بالكامل، وتكريسها كمنطقة عازلة لحماية مستوطنات الشمال. ومعظم سكان المستوطنات الشمالية واحزاب اليمين، يؤيدون هذا الطرح.
الخيار الثاني تحدث عنه عدد من كبار الضباط المتقاعدين،وبعض قادة المعارضة، واعتبروا أن عودة الحرب ستؤثر سلباً على إسرائيل، فحزب الله بما بقي لديه من صواريخ وطائرات مسيّرة، سيعاود قصف المدن الاسرائيلية في حال عادت الحرب الشاملة، وستعود صفارات الانذار لتدوي وتقلق المستوطنين في كافة أنحاء إسرائيل ، وهذا سيفقد إسرائيل حالة الأمن والاستقرار التي نعمت بها منذ توقيع الاتفاق مع لبنان، وسيؤثر سلباً على عودة الحياة الاقتصادية والسياحية الى طبيعتها، خاصة في مناطق الشمال، كما سيؤدي إلى موجات نزوح جديدة لمستوطني الشمال، اضافة إلى تنشيط حركة الهجرة العكسية، فعدم الاستقرار يدفع بعدد كبير من اليهود، للتفكير جدياً بهجرة إسرائيل بشكل نهائي.
عندما تم توقيع الاتفاق مع لبنان، لم يجبر أحد إسرائيل على التوقيع، بل إن إسرائيل وجدت أن الاتفاق يخدم مصلحتها، وهي استطاعت أن تجبر لبنان وحزب الله على وقف اطلاق نار من جانب واحد، فيما استمرت هي بسياسة الاغتيالات وملاحقة عناصر حزب الله، وتضغط بشكل مستمر مع اصدقائها، خاصة الامريكيين، كي يقوم الجيش اللبناني باستكمال نزع سلاح حزب الله، على كامل الاراضي اللبنانية، بعد أن انجز هذه المهمة في منطقة جنوب الليطاني، ودون أن تتكبد إسرائيل إي خسائر تذكر.
هذا الواقع اليوم يخدم مصلحة واهداف إسرائيل، أكثر من خيار العودة إلى الحرب الشاملة مع حزب الله، وبالتالي لن تذهب إسرائيل الى كسر المعادلة القائمة حالياً، سوى في حالة واحدة، وهي الرغبة باحتلال منطقة الجنوب، كجزء من المشروع التوسعي الذي يعمل عليه نتنياهو، وهذا الخيار له عدد من المؤيدين داخل إسرائيل، خاصة الوزيران سموتريش وبن غفير، وهم يقولون بضرورة تطبيق قاعدة الجولان على جنوب لبنان، بمعنى احتلال وتهجير للسكان، ثم استيطان، ولاحقاً يأتي الضم.
لكن هذا السيناريو مؤجل الآن لأنه يحتاج إلى موافقة أمريكية، والقرار الآن بيد الرئيس دونالد ترامب، الذي لا يبدو راغباً بالتصعيد، خاصة بعد حديثه عن انهاء الحروب، وتحقيق سلام لم يشهده الشرق الاوسط منذ 3000 عام.
من ناحية ثانية تتحدث بعض التقارير الاسرائيلية، أن لا نية لدى نتنياهو بوقف الحرب، وهو يستثمر بها للتهرب من المحاكمة، وكذلك سيسعى لتوظيفها في الانتخابات القادمة في اكتوبر 2026، ولذلك هو بحاجة إلى تحقيق مشهد نصر كامل في لبنان، لأن اتفاق غزة لا يلبي طموحات نتنياهو، وهو يسعى لنسفه، لكنه يواجه معارضة امريكية، وضغط من الرئيس ترامب، لاستكمال المراحل المتبقية من الاتفاق، لأن ترامب يريد انهاء الحرب مراعاةً لبعض الحلفاء في المنطقة، خاصة تركيا والسعودية وقطر، واستكمال مشاريع الاستثمار الموعود بها، وهو يريد حصته ايضاً من الاموال التي سيتم انفاقها في اعادة اعمار قطاع غزة، خاصة بعد أن عين نفسه رئيسًا لمجلس السلام، الذي سيشرف على هذه العملية.
كل شيءٍ لدى ترامب له ثمن، وهو قال للاسرائيليين: لقد اعطيتكم الجولان دون ان تدفعوا اي دولار". والآن قد يقدم المزيد من الهدايا لإسرائيل، وربما لغيرها ايضاً اذا اخذنا تصريحات توماس باراك على محمل الجد، ونحن نأمل أن لا يكون لبنان وارضه جنوباً وشمالاً، جزءاً من جوائز الترضية، التي يقدمها ترامب من حساب الآخرين.
فلبنان وافق على التفاوض مع إسرائيل، وهو يدرك أن المفاوضات غير متكافئة، ومن الصعب اذا لم نقل من المستحيل أن تحقق انسحاباً إسرائيلياً من النقاط المحتلة، أو حتى وقفاً للخروقات، فاسرائيل غير راغبة بالتفاوض مع الضعفاء، كما قال نتنياهو.
وتجربة المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل واتفاق اوسلو، لم تمنع قتل الفلسطينيين، ولم توقف الاستيطان ومشاريع للتهجير ومصادرة الأراضي، ولا حققت السلام، ولا حق تقرير المصير للفلسطينيين.
كذلك مبادرة الرئيس السوري احمد الشرع للتفاوض مع إسرائيل، وإعلان استعداده الانضمام الى الاتفاقات الابراهيمية، وحتى التنازل عن الجولان، لم توقف الاعتداءات الاسرائيلية على سوريا، ولم تمنع إسرائيل من احتلال المزيد من الاراضي السورية.
إسرائيل تدرك جيداً أن التفاوض يخضع لمعادلة موازين القوى، وهي ستستغل هذه الرغبة لدى لبنان وسوريا بالتفاوض، لفرض كل ما يمكن فرضه من شروط، وأول هذه الشروط والاهداف، هو خلق مناطق عازلة منزوعة السلاح على الحدود، وتحويل جيوش هذه الدول إلى قوى شرطة، تحمي أمن ومصالح إسرائيل، وتقمع أي شكل من أشكال المقاومة ضدها، وإحداث تغيير سياسي جذري، يجعل حكومات هذه الدول راضخة تماماً لإملاءات أمريكا وإسرائيل.
يبدو أن لبنان عالق بين انياب الذئب، ومثله اليوم مع الامريكيين اليوم كقول المتنبي.
"فيك الخصام وانت الخصم والحكمُ".
وإسرائيل ستبقى هي من يقرر ساعة بدء الحرب، ومن ستكافئ ومن ستغتال، طالما تحظى بدعم مطلق من الامريكيين، وتستطيع اقناع الرئيس الامريكي بذلك، وطالما نحن ضعفاء، ونار الضغائن والخلافات المذهبية والطائفية تستعر بين اللبنانيين، وكذلك بين السوريين، وهذا يشكّل أرضاً خصبة ليستثمر بها الامريكيون والاسرائيليون، لرسم خرائط جديدة للمنطقة، كما أعلنوا أكثر من مرة.