| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
بقلم: فادي غانم -
من لبنان، البلد الذي يكتب جراحه بالفن ويقاوم هشاشته بالإبداع، كان للدكتور برنار غصوب أن يضع توقيعه مجددًا على صفحة من صفحات الذاكرة الوطنية. فالفنان الذي خطّ مسارًا استثنائيًا في الفن التشكيلي، وأعاد تعريف الرموز اللبنانية بمعانيها العميقة، قدّم في مناسبة زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر عملين فنيين يتجاوزان حدود الإهداء إلى مستوى الشهادة الروحية والإنسانية.
الدكتور برنار غصوب، مدير كلية الفنون الجميلة والعمارة – الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية، لم يقدّم مجسمين فحسب، بل قدّم رواية وطن بأكمله. رواية تقول إن لبنان، رغم الانكسارات المتتالية، لا يزال قادرًا على تحويل ألمه إلى طاقة خلاقة، وخسارته إلى ذاكرة، وذاكرته إلى الرجاء.
المجسم الأول: “جسر العبور إلى الخلاص”… حين يصبح الجسر شعبًا، والشعب خلاصًا
عمله الأول، المصنوع من البرونز، يبدو للوهلة الأولى كمنحوتة رمزية. لكنه في العمق، أشبه بمرآة للبنان نفسه: مجموعة أشخاص يحملون الجسر على أكتافهم، فيما تعبر “العائلة” فوقه نحو الخلاص.
هذا العمل لا يحكي قصة عبورٍ بسيط، بل يحكي قصة وطن عرف أن خلاصه لا يكون إلا من خلال أبنائه، وأن القادم لا يمكن أن يُبنى إلا على قدرة الجماعة على حمل الألم والنهضة معًا.
لقد أُهدي هذا المجسّم إلى قداسة البابا في بازيليك سيدة لبنان – حريصا، من خلال سيادة المطران سيزار أسايان، مطران الطائفة اللاتينية في لبنان. وهناك، تحت قبة المكان الذي يحتضن صلوات هذا البلد الجريح، اكتمل المعنى: جسر العبور لم يعد برونزًا فقط، بل صار رسالة روحية من لبنان إلى العالم.
المجسم الأول: “جسر العبور إلى الخلاص”… حين يصبح الجسر شعبًا، والشعب خلاصًا
المجسم الثاني: “أهراءات المرفأ”… الوجع الذي لا ينطفئ والذاكرة التي لا تُمحى
في عمله الثاني، عاد غصوب إلى الجرح المفتوح الذي لا يزال يثقل قلب بيروت: انفجار المرفأ.
جسّد الأهراءات، التي تحوّلت بعد الانفجار إلى رمز لصمودٍ يشبه صمود اللبنانيين، وثبّتها على خارطة لبنان المصنوعة من خشب الأرز… ليدلّ، ببلاغةٍ مؤلمة، على أن جرح بيروت محفور في جغرافيا الوطن وهويته.
وُضع هذا العمل بين يدي الحبر الأعظم في المكان نفسه الذي شهد المأساة، في المرفأ، وقدّمته عائلات الضحايا… ليصبح أكثر من مجسم، بل شهادة حيّة، ونداء صامت يحمل وزن الغياب ووجع الانتظار وإصرار العدالة.
فنان يكتب تاريخًا بصمت البرونز… وبراءة الضوء
أعمال الدكتور برنار غصوب ليست مجرد هدايا فنية. هي كتابة جديدة للذاكرة اللبنانية، بلغةٍ لا تصدأ ولا تُنسى.
في كل خطّ من خطوط البرونز، وفي كل نتوء من الخشب، هناك حكاية إنسانية متكاملة:
حكاية وطنٍ لم يستسلم.
حكاية شعبٍ يعرف أن الفن ليس ترفًا… بل الطريق الأخير نحو الشفاء.
وهكذا، وبقوة الفن الذي يتجاوز حدود المادّة، استطاع غصوب أن يجمع بين الألم والرجاء، بين الأرض والسماء، ليحمل إلى البابا لاوون الرابع عشر نبض لبنان الحقيقي: لبنان الذي يسقط ولا ينكسر، يتألم ولا يستسلم، ويحمل رسالته إلى العالم عبر منحوتة، عبر رمز، عبر لحظة صامتة تخبئ ما لا تستطيع الكلمات قوله.