| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
- " فادي غانم "
في لحظة يبدو فيها لبنان وكأنه يمشي على حوافّ الألم، ويطرح أبناؤه أسئلتهم الكبرى حول المصير، تأتي زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر لتشكّل حدثاً يتجاوز السياسة والبروتوكول، وينفتح على عمق الروح ومعنى الدعوة.
فالوطن الذي أنهكته الأزمات وأضناه الانقسام، يستقبل اليوم الأب الأقدس لا بصفته زائراً رسمياً، بل حاملاً رسالة رجاء يعيد من خلالها إلى اللبنانيين بعضاً مما فقدوه من طمأنينة وثقة.
لبنان هذا—الذي ورد اسمه في الكتاب المقدّس أكثر من سبعين مرّة—ليس مجرد رقعة جغرافية، بل رمز وشهادة.
هو الجبل الذي تغنّى به الأنبياء، والبلد الذي منه ارتفع بخور الأرز نحو السماء. وقد حمل عبر التاريخ معنى يفوق حجمه، حتى أصبح "أكثر من وطن… بل رسالة" كما قال البابا القديس يوحنا بولس الثاني.
واليوم، تعود هذه الرسالة لتُختَبَر من جديد مع الزيارة البابوية، في زمن يحتاج فيه اللبنانيون إلى تذكير بأن ما يمرّون به، مهما اشتدّ، لا يمكن أن يغلب الروح التي كوّن الله منها هذا البلد؛ فـ "أبواب الجحيم لن تقوى عليه".
في استقبال البابا، لا يفرش لبنان بساطه الرسمي وحسب، بل يفتح قلباً نابضاً بالإيمان والرجاء.
فالناس، رغم ما عاشوه من تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية، ينظرون إلى قدوم الأب الأقدس كبركة سماوية وفرصة لتجديد الأمل.
وكأن السماء اختارت هذه اللحظة لتلامس جراح هذا الوطن وتزرع فيها بذرة نور جديدة.
فزيارة بابوية لوطن يُصرّ على النهوض رغم الصعاب تحمل رسالة دعم وتشجيع، وتؤكد أنّ الكنيسة حاضرة دائماً إلى جانب الشعوب، تواكب مسيرتها وتمنحها قوة روحية تدفعها نحو حياة أكثر عدلاً وكرامة.
وتأتي زيارة الأب الأقدس إلى سيدة لبنان ومار شربل لتشكّل بعداً روحياً استثنائياً يربط الحاضر بجذور الهوية الإيمانية للوطن.
فعندما يقف البابا أمام مقام سيدة لبنان في حريصا، يستعيد اللبنانيون صورة الأمّ الساهرة على الوادي والساحل والجبل، التي أحاطت أبناءها بمحبتها في كل مراحل تاريخهم.
إن الوقوف أمام تمثالها ليس محطة بروتوكولية، بل حدث يلامس عمق الوجدان اللبناني.
وهكذا تصبح زيارة البابا لها تجديداً لعهد يعيد وصل الكنيسة بشعب يرفع عينيه نحو الجبل بحثاً عن السلام الداخلي.
وتتسع هذه الزيارة في معناها الروحي عندما ينتقل الأب الأقدس إلى ضريح القديس مار شربل في عنّايا، ذاك الناسك الذي حمل لبنان في صلاته وصمته، والذي أصبحت قداسته علامة عالمية تشهد على أن نور لبنان يخرج من عمق التواضع والتقوى.
إن لقاء البابا بهذه المسيرة الروحية يؤكد أن في هذا البلد نوراً لا تطفئه الأزمات مهما اشتدت.
وهكذا، تتحول زيارة الأب الأقدس إلى سيدة لبنان ومار شربل إلى رسالة مريمية–شربلية تُخاطب شعباً ينهض كلما ظن العالم أنه سقط.
إنها زيارة تعيد للبنان شيئاً من سلامه الداخلي، وتذكّره بأن الروح التي حفظته عبر التاريخ ما زالت حيّة وقادرة على صنع المعجزة حين تلتقي الأرض بالسماء.
وفي هذا السياق الروحي والوطني معاً، تتقدّم زيارة البابا برؤية واضحة محورها الإنسان قبل أي شأن آخر.
فبرنامج الزيارة يقوم على لقاءات تمنح وجوهاً كثيرة صوتها من جديد:
• لقاءات مع الشباب الذين يمزجون بين القلق والأمل.
• لقاءات مع العائلات التي تصارع للبقاء.
• لقاءات مع المتألمين الذين ينتظرون كلمة شفاء.
• لقاء مع عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذين ما زالوا يبحثون عن الحقيقة والعدالة.
• لقاءات مع القيادات الدينية والسياسية للتذكير بأن مسؤولية صون الإنسان تسبق كل حساب وكل خلاف.
هذه اللقاءات تحمل رسالة واضحة: نهضة لبنان لا تبدأ من السياسة وحدها، بل من إعادة ترميم الثقة بين أبنائه، وإحياء التضامن الذي كان يوماً سرّ قوته، وفتح طرقات الحوار التي أُغلقت بفعل الانقسامات.
والكلمات التي ينتظرها اللبنانيون من الأب الأقدس ليست مجرد عظة، بل دعوة إلى مصالحة داخلية صادقة، وإلى إعادة اكتشاف القوة الجوهرية التي شكّلت هوية لبنان: العيش المشترك، الإيمان الراسخ، والقدرة العجيبة على تحويل الألم إلى رجاء، والانهيار إلى نقطة انطلاق جديدة.
وهكذا، تتحول زيارة البابا إلى لحظة وطنية وروحية في آن، لحظة يستعيد فيها اللبنانيون ثقتهم بأنفسهم وبوطنهم، ويؤمنون من جديد بأن الإرادة المشتركة قادرة على كتابة فصل جديد من تاريخ لبنان مهما اشتدت العواصف.
لقد حظيت هذه الزيارة بترحيب وطني جامع، عابر للطوائف والانتماءات، ما يعكس حاجة اللبنانيين الجماعية لمن يقول لهم: أنتم لستم وحدكم.
وفي هذا الإجماع النادر ما يدل على أن روح لبنان لا تزال حيّة، وأن إرادة البقاء أقوى من كل انهيار.
ويبقى السؤال الكبير: هل ما زال لبنان قادراً على حمل رسالته التاريخية؟
نعم، ما دام فيه شعب يؤمن بالنهوض، وما دام فيه من يتذكّر أن هذا البلد—الذي باركته مريم العذراء وقديسوه—ليس قدراً منسياً ولا قصة انتهت.
إن زيارة البابا تأتي لتعيد تثبيت هذا المعنى، ولتقول للبنانيين إن دورهم في هذا الشرق لا يزال قائماً، وإن نورهم، مهما خبا، لم يُطفأ.
قداسة البابا لاوون الرابع عشر، أهلاً بكم في لبنان… لبنان الرسالة، لبنان الإيمان، لبنان الذي سقط كثيراً لكنه لم ينكسر، لبنان الذي سيبقى واقفاً لأن جذوره مغروسة في عمق التاريخ وفي قلب الله.
زيارتكم—بكل رمزياتها—قد تكون الشرارة الروحية التي يحتاجها اللبنانيون ليذكّروا أنفسهم بأن الأمل قد يخفت، لكنه لا يموت… وأن هذا الوطن، مهما طال عليه الليل، سيشهد فجرًا جديدًا.