| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
رئيس تحرير موقع الثائر اكرم كمال سريوي -
على مدى يومين احتفلت قناة RT.DOC في البيت الروسي في بيروت. هذه القناة الفضائية الروسية الناطقة باللغة العربية، والتي تحاصرها دول الغرب، وحظرت بثها في كامل الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية، تنفست الحرية في بيروت.
بيروت التي لطالما وُصِفت بواحة الحرية والثقافة، تحتضن عدداً كبيراً من وسائل الاعلام المحلية والاجنبية،
واصبحت تزدحم بفوضى إعلامية تجمع كل المتناقضات.
في السابق كان الاعلام العربي ضعيفاً وخاضعاً لانظمة شمولية، مثلما كان الوضع أيام نظام البعث بشقيه السوري والعراقي، حيث تحوّلت في ظله وسائل الاعلام الى مجرد وسيلة دعائية للنظام، تفتقر الى المصداقية والموضوعية، وتقمع أي صوت معارض أو منتقد.
منذ استقلال لبنان كان الصراع محتدماً؛ بين الشرق والغرب، بين اليمين واليسار، بين دعاة الرأسمالية ودعاة الاشتراكية، بين مؤيدي الاتحاد السوفياتي ومؤيدي الولايات المتحدة الامريكية، ولم ينجح فريق في الغاء الآخر، فبقيت المساحة مفتوحة لكل الآراء والافكار.
لم يخضع لبنان لشمولية الحزب الواحد، لكن في الحقيقة كان هناك شموليات عديدة، وأكثر منتقدي الشمولية مارسها بكل الطرق والوسائل المتاحة، فداخل كل حزب لبناني وكل طائفة هناك دكتاتورية لا محدودة، وهناك شخص شمولي الى ابعد الحدود، ولا تمت ممارساته إلى الحرية والديمقراطية بصلة.
لم يكن السوفيات بأفضل حالاً من أنظمة البعث، وتبعاً للمثل القائل "كثر الضغط يولّد الانفجار" حدث الانفجار الكبير، وتشظى الاتحاد السوفياتي، ثم تلاه سقوط عدة انظمة شمولية، خاصة في العالم العربي.
لم تنجح غالبية وسائل الاعلام في تجاوز النهج الشمولي، وبقيت تركّز على دور تعبوي توجيهي للجمهور، بدل أن تقدم مادة إعلامية نزيهة وموضوعية وشفافة، خاصة تلك القنوات الفضائية، التي قادها إعلاميون تربوا في ظل الانظمة الشمولية السابقة، والذين لم يتغيروا لا في الشكل ولا في المضمون، وبقي همهم الوحيد كسب المال ورضى المسؤول.
منذ بداية القرن العشرين فكّرت بريطانيا وفرنسا بمخاطبة العرب بلغتهم العربية، وأسست إذاعات ناطقة بالعربية دامت لعقود، ثم منذ سنتين أغلقت إذاعة بي بي سي عربي ابوابها، وتوقفت عن البث، بعد أن أدركت المتغيرات التي حصلت في الدول العربية والعالم.
الحقيقة أن كل شيء تغير، ولم يعد الشباب العربي كما كان في السابق، فعصر الانترنت اخفى الجرائد الورقية، وخفض صوت الراديو إلى ادنى مستوى، وبدأ يمحو شيئًا فشيئا دور القنوات الفضائية، لتحل مكانه وسائل أكثر سرعة واختصاراً في نقل الخبر .
لم يعد جيل اليوم يتسمّر لساعات أمام شاشة التلفاز، لمشاهدة نشرة الاخبار أو برنامج سياسي أو حتى مسلسل تلفزيوني، فكل شيء بات على شاشة صغيرة في يدك، وفي غرفة واحدة يشاهد أفراد العائلة الواحدة مواضيع مختلفة، وكل بحسب رغبته.
عندما تسأل عيّنة من اللبنانيين عن الفضائيات، ستجد أن نسبة المتابعين لا تتجاوز 15 إلى 30% وغالبية الموطنين باتو ينقسمون بين؛ متابع عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أو غير مهتم، أو لا وقت لديه لمشاهدة التلفاز.
الأسباب عديدة ومتنوعة طبعاً، ولكن من أهم تلك الاسباب، أن معظم وسائل الاعلام ما زالت تعتمد اسلوب التوجيه، ومحاولات إقناع الجمهور، دون الأخذ بعين الاعتبار، أن هذا الاسلوب بات غير مرغوب به ومرفوض بالمطلق لدى جيل الشباب.
بعض وسائل الاعلام تجتر نفسها، وفي كل برامجها تقدم نفس الضيوف والمواضيع، وغالباً يكون الضيف مرتبطاً بجهة سياسية معينة، فيتحوّل إلى مدافع شرس عن وجهة نظرها، ويفتقد إلى الموضوعية والدقة في التحليل.
عندما تسأل بعض المحطات نفس الضيف، عدة مرات في اليوم الواحد عن نفس الحادثة، أو الموضع، فماذا تتوقع منه أن يقدم لها، سوى اللعب على الكلام، والتكرار الذي غالباً يصبح مملاً ومقززاً أحياناً
تتناسى بعض القنوات التلفزيونية أن المشاهد هو صاحب الحكم والقرار، وأن أي هفوة صغيرة من مقدم البرنامج، أو من الضيف، ستجعل المشاهد يذهب للبحث عن مصدر آخر للمعلومات يكون أكثر جاذبية.
يتناسى القيّمون على ادارة بعض القنوات الناطقة بالعربية، أنهم يخاطبون الشعوب العربية، وفي الحرب الاسرائيلية الأخيرة على غزة ولبنان وسوريا، تحولت بعض تلك القنوات إلى منصات، يطل من خلالها على مدار الساعة إسرائيليون، يهددون بالقتل والابادة، ويقدمون الذرائع والاكاذيب لتبرير جرائم قادة وجنود الاحتلال.
لم يرتكب الأمريكيون خطأ الانكليز وغيرهم، من الذين اطلقوا مؤسسات اعلامية ناطقة بالعربية، وكانوا يتحملون هم وزر سياساتها الاعلامية، التي غالباً تنعكس سلباً عليهم في نهاية المطاف، فبدل أن يؤسس الأمريكيون قنوات أمريكية ناطقة باللغة العربية، عمدوا إلى شراء ودعم قنوات عربية تروّج لأفكارهم، ويصلون من خلالها إلى عدد كبير من المشاهدين العرب، وهكذا يصبح الأمر وكأنه وجهة نظر عربية، ويتنصل الأمريكيون من تبعات أي عمل اعلامي تقوم به تلك القنوات، ولا شك أنها تنجح أكثر بكثير من القنوات الاجنبية الناطقة بالعربية الموجّهة إلى العالم العربي.
لا شك أن الأمريكيين أدركوا قبل غيرهم أهمية المعركة الاعلامية، وبذلوا أموالاً طائلة وبسخاء على مؤسساتهم الاعلامية.
وبدل اساليب الأدلجة والتوجيه التي اتبعتها وسائل اعلام الانظمة الشمولية والمتخلفة، عمد الامريكيون إلى ابتكار اساليب الاقناع، وتقديم الأخبار والمعلومات التي تخدم مصالحهم، والتغاضي عن كل ما يناقض ذلك، وحاولوا رسم صورة قاتمة عن الاعداء، وكانت التُّهم جاهزة دائماً، بدءاً من الحديث عن انتهاك حقوق الانسان، مروراً بتهمة الدكتاتورية والفساد، وصولاً إلى لصق صفة الإرهابي بكل من يجرؤ على معاداة أمريكا وإسرائيل.
اليوم ما زال الأمريكيون متقدمين على غيرهم في هذا المجال، خاصة أنهم كانوا السباقين في اطلاق وسائل الاعلام الحديث من؛ منصات ومواقع الكترونية، وتطبيقات؛ يوتيوب، وواتساب، واكس، وفيسبوك، وغيرها الكثير من تلك الوسائل التي يسيطرون عليها، ويتحكمون بإدارتها، عبر خوارزميات ذكية، تتولى الترويج والدعاية لهم، وتحجب كل ما يسيء اليهم.
المستقبل يصنعه الاغنياء، فهم من يمسك بمقاليد الحكم، ويتحكم بغالبية وسائل الاعلام، لكن الأمور بدأت تخرج عن سيطرة هذه الأوليغارشية العالمية، ومعركة الوعي بدأت تنقلب عكس ما يشتهون، وستسقط الكثير من الوسائل الاعلامية واباطرة الاعلام قريباً جداً، وأقرب مما يتخيلون، فالحقيقة لا يمكن طمسها إلى الابد وكما يقول المثل الشعبي "حبل الكذب قصير".