| تابعنا عبر |
|
 |
الثائر تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

#الثائر
الخبير بأسلحة الدمار الشامل والقانون الدولي اكرم كمال سريوي -
١- إله البحر "بوسيدون"
بعد الإعلان عن صاروخ بوريفستنيك المجهّز بمحرك يعمل بالطاقة النووية، أعلنت روسيا في الاول من الشهر الحالي، عن انزال الغواصة النووية "خاباروفسك" إلى المياه، وهي مجهزة لحمل 12 صاروخاً نووياً من نوع "بوسيدون".
وهذه الغواصة الروسية الثانية، المجهّزة بهذا النوع من الصواريخ بعد الغواصة بيلغورد.
"بوسيدون" هو عبارة عن مركبة روبوتية، تعمل بالطاقة النووية، وتحمل طوربيداً، يمكنه حمل روؤس نووية، تصل قوتها إلى ما يعادل، انفجار مئة مليون طن من مادة تي ان تي.
تحدثت الصحافة بشكلٍ مبالغ فيه بعض الشيء عن طوربيد "بوسيدون"، والبعض اطلق عليه اسم "صاروخ يوم القيامة"، وبعضها قال انه قادر على إحداث موجة تسونامي إشعاعية بارتفاع 500 متر، وأنه قادر على إغراق وتدمير دولة مثل انكلترا.
هذه الأخبار لم تستند إلى دراسات علمية، ولا إلى تجارب فعلية للمركبة، لكن بعض ما رشح من معلومات يفيد، بأن طولها 20 متراً وقطرها 1,8 متر، وتصل سرعتها تحت الماء الى 200 كيلومتر في الساعة، اي أسرع باربع مرات من الغواصات المعروفة، ويُمكن التحكم بها عن بُعد، كما يمكنها المكوث في البحر لمدة طويلة، بفضل محركها النووي، القادر على العمل لسنوات دون التزود بالوقود.
وتستطيع هذه المركبة اطلاق رؤوس نووية نحو اهداف بحرية وساحلية، تفوق سرعتها سرعة صاروخ تسيركون التي تبلغ 9 ماخ، ولا شك أنها تتمتع بقدرات تدميرية ضخمة، ولكن ما زال الغموض يكتنف الكثير من مميزات هذا الصاروخ، مما يجعله مادة دسمة للشائعات.
فإن انفجاراً بقوة مئة ميغا طن، يعني أنه يفوق انفجار قنبلة هيروشيما (التي قُدرت قوتها ب 15 الى 18 كيلوطن)، بأكثر من ستة آلاف مرة.
وهذه لا شك قوة تدميرية هائلة، وهي ضعف قوة قنبلة القيصر النووية (الهيدروجينية) ، التي فجرها السوفيات في 30 اكتوبر عام 1961، وقُدّرت قوتها بما يعادل انفجار 50 ميغا طن من مادة تي ان تي، وتحدثت الأنباء يومها عن أنها أدّت إلى ثلاث هزات للكرة الأرضية.
٢١-مصير معاهدة حظر التجارب النووية
في ايلول 1992 اجرت الولايات المتحدة الامريكية آخر تجربة نووية ثم جرت مفاوضات بين 44 دولة (معنية بالتكنولوجيا النووية)افضت الى اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية لعام 1996 التي وقّعت عليها 183 دولة من بينها 41 دولة من الدول ال 44 المعنية التي اشتركت بالمفاوضات ولم توقّع عليها: كوريا الشمالية، والهند، وباكستان، وخمس دول وقّعت لكن لم تصادق عليها وهي الولايات المتحدة الامريكية والصين وإسرائيل وإيران ومصر، ثم أعلنت روسيا انسحابها من المعاهدة في عام 2023 .
اعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب في نهاية الشهر الماضي أنه اعطى الأمر باستئناف الاختبارات النووية وفسر البعض الأمر على أنه عودة الى التجارب النووية لكن في الحقيقة فإن معاهدة 1996 لم تمنع الاختبارات النووية العلمية "دون الكتلة الحرجة".
وبالتالي فإن إعلان ترامب يبقى غامضاً، وليس بالضرورة إعلان عن عودة التجارب النووية للاسلحة الامريكية، لكن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قال: أن الترسانة النووية لبلاده تحتاج إلى اختبارها، لضمان عملها بشكل صحيح، وهذا يؤشر إلى احتمال استئناف فعلي للتجارب النووية.
رد الرئيس الروسي على إعلان ترامب، فأعطى الأمر للمعنيين بدراسة إمكانية إجراء التجارب النووية، وكان المندوب الروسي لدى المنظمات الدولية ميخائيل أوليانوف، قد صرح بأن اعلان ترامب يحتاج إلى توضيح، فالدول لا تجري اختبارات انفجارات نووية محظورة، وما قامت به روسيا هو اختبار لوسائل ايصال، وليس اختبار رؤوس نووية انفجارية.
صحيح أن المسألة ما زالت في طور تبادل الرسائل السياسية والعسكرية، لكن لا أحد يضمن عدم حصول الانفجار الكبير، خاصة أن الدول الكبرى بدأت مرحلة جديدة من سباق التسلح، والإعلان عن صواريخ حديثة، بقدرات تدميرية هائلة، كما أن اسباب الانفجار الكبير قائمة، بدءاً من الاصرار الاوروبي على استمرار الحرب في أوكرانيا، مروراً بحروب الشرق الاوسط، وصولاً الى ارتفاع منسوب التهديدات، وعرض العضلات في الشرق الاقصى، وتأزّم العلاقات بين تايوان والصين ونار الكوريتين.
٣-الانفجار النووي والهيولى
عندما يحدث انفجار نووي، ترتفع الحرارة بداخله لتصل إلى حوالي 12 مليون درجة مئوية، وتتحول المواد في قلبه إلى حالة الهيولى، أو المادة الأولى كما عرّفها ارسطو، أو الجوهر المادي، الذي لا شكل له بحد ذاته، ولكنه قابل لاكتساب أي شكل وصورة.
واذا أردنا إعطاء الهيولى تفسيراً علمياً أكثر وضوحاً، فنقول بأن كل المواد تتألف من ذرات لعناصر كيميائية، تختلف عن بعضهما البعض بحسب الرقم الذري لكل عنصر، إضافة إلى شكل وطريقة تفاعل وترابط هذه العناصر الكيميائية، لتكوين المواد التي نعرفها.
وفي علم الذرة كشف العلماء، أن كل ذرة تتألف من نواة تحتوي؛ نترونات (لا شحنة كهربائية لها)، وبروتونات لها شحنة ايجابية، يقابلها الكترونات لها شحنة سالبة، تدور حول النواة في مدارات محددة.
عندما تتعرض الذرات الى حرارة مرتفعة، كما يحصل داخل الانفجار النووي، أو كما هو الحال داخل الشمس، تتكسر روابط الجاذبية داخل الذرة بين البروتونات والالكترونات، وتعود كل المواد الى حالتها الأولى، المؤلفة من ؛ العناصر الأولية الثلاث؛ نترونات، وبروتونات، والكترونات، تسبح بحرية دون أي روابط بين بعضها البعض، وتشكّل حالة لطيفة جداً، لكنها عندما تنخفض الحرارة، تعود للتكثف بطرق جديدة، فيتشكّل منها مواد جديدة، مختلفة عن الأصل.
وتسمح الحرارة العالية لحظة حدوث انفجار اليورانيوم، بعملية اندماج ذرات نظائر الهيدروجين؛ (الدتريوم، والتريتيوم)، بحيث يُنتج اتحاد ذرتين من نظائر الهيدروجين طاقة تعادل 17,1 ميغا الكترون فولت، ولقد سمح هذا الاكتشاف بتصنيع قنابل نووية من نظائر الهيدروجين، بدل اليورانيوم 235 ، واثبتت التجارب أن انفجار كيلوغرام هيدروجين، يعطي طاقة، تفوق تقريباً خمس مرات، تلك الطاقة التي يعطيها كيلوغرام يورانيوم.
٤-الآثار المميتة وطرق قياس خطر موجة الصدم
هكذا يحوّل الانفجار النووي، كل شيء داخل الرأس النووي الى الهيولى القاتلة، وينتج عنه عدة عوامل تدميرية، تبدأ بوميض الإعماء، جراء التوهّج الحاد لمركز الانفجار، ثم موجة الصدم، وموجة الاشعاعات من الأنواع الثلاث؛ الفا، وبتا، وغاما، إضافة الى إشعاع النترونات، وكلها تُعطّل عمليات الأيض (الميتابوليزم) داخل الخلايا، وغالباً تكون مميتة في حال تجاوزت الجرعة التي يمتصها جسم الانسان 400 راد.
من أجل قياس مسافة تأثير موجة الصدم، يعتمد الخبراء قواعد حسابية، ارتكزت على دراسة نتائج التجارب النووية، فتم تسجيل جدول لانفجار نووي بقوة 30 كيلوطن، وأصبح يُحتسب شعاع منطقة التدمير، لأي انفجار نووي، استناداً إلى جدول تلك البيانات، بعد احتساب نسبة الضغط التي يولّدها الانفجار، على مسافات معينة.
فاذا أردنا مثلاً معرفة الضغط، الذي يولده انفجار بقوة 75 كيلوطن، على مسافة الف متر من مركز الانفجار، نحسب الجذر التكعيبي لحاصل قسمة قوة الانفجار على 30 (في هذه الحالة 75 على 30)، ونضربه بالمسافة، التي هي هنا (1000متر)، فنحصل على رقم يساوي 750 متراً تقريباً، الذي بالعودة الى الجدول نجد فيه، أن ضغط الانفجار المقابل لهذا الرقم، يساوي 0,75 كيلوغرام في السنتمتر المربع.
هذا يعني ان انفجاراً بقوة 75 كيلو طن، سيُحدث موجة صدم، بقوة ضغط تساوي 0,75 كيلوغرام في السنتمتر المربع الواحد، على الأجسام الموجودة على مسافة الف متر من مركز الانفجار.
بالعودة إلى جداول التجارب، نجد أن الأضرار التي يتعرض لها الأشخاص أو المعدات أو المنشآت، ترتبط بعدة عوامل منها؛ موقع الشخص أو الشيء لحظة حدوث الانفجار، المسافة الفاصلة عن مركز الانفجار، وجود تضاريس أو جدران أو خنادق أو طبقات سفلية تفصل بين الشخص ومركز الانفجار، كذلك قوة وسرعة موجة الصدم في المكان، إضافة إلى طبيعة تكوين الأشياء (آليات، منشآت، جدران …) .
ولكي نوضح أكثر، فإن الأشخاص يتضررون بشكل طفيف عند التعرض لضغط يفوق 0,2 كيلوغرام في السنتمتر المربع، وتزيد الاضرار وتصبح مميتة عندما يتجاوز الضغط واحد كيلو غرام في السنتمتر المربع.
يتكسر زجاج النوافذ عند التعرض لضغط 0,05 كيلوغرام في السنتمتر المربع، ومصابيح الآليات عند التعرض لضغط 0,5 كيلوغرام في السنتمتر المربع، وتتعطل السيارات والآليات الخفيفة والطائرات والمروحيات، عند التعرض لضغط بين 0,5 و واحد كيلوغرام في السنتمتر المربع، في حين تحتاج الآليات المدرعة وجدران المنازل إلى ضغط يتراوح بين عشرة الى عشرين كيلوغرام في السنتمتر المربع لتحطيمها.
وهناك طبعاً طرق هندسية، تتعلق بطبيعة وشكل الأبنية والجدران، لاحتساب كمية الضغط الذي تستطيع احتماله، والضرر المحتمل حصوله.
واستناداً إلى دراسة موقع الانفجار، والأضرار التي أحدثها على كل مسافة، يمكن ايضاً للخبراء والمهندسين، وبطريقة عكسية، تحديد شدة الانفجار الحاصل ومعرفة كمية المواد المنفجرة، ونوعها ايضاً.
في الختام يمكن القول أن العالم بات يسير على وقع الغواصات، والصواريخ النووية الفرط صوتية، وكلما زادت السرعة اكثر، اقترب العالم أكثر من موعد الانفجار الكبير، الذي يبدو أنه حتمي في نهاية المطاف، لأن العقلاء اصبحوا في الصفوف الخلفية، وامتلأت الصفوف الأمامية بالمتطرفين والمجانين.